عصمت حمادة (مقاتل يغازل الموت)- الفصل السابع

… الفصل السابع

وقف عصمت على الطريق الأسفلت المؤدى للقاهرة بملابس الميدان حاملا بندقية الآلية التي لا تفارقه قط ومعلق مسدسه علي جانبه الأيسر ومعه هذه المجموعة لإحضار دبابات قد تم إصلاحها وحيث أن كل عربة بوحدته مشتركة في القتال لفعلي ولها دورها فعلية أن يتصرف ويركب أي عربة ذاهبة للقاهرة سواء عسكرية أو مدنية… لقد انتظر كثيراً وقد قال لنفسه ضاحكا يالها من مهمة صعبة… ثم فجأة شاهد طائرتين إسرائيليتين تطيران على ارتفاع عالي ثم تلقى بحمولتها من القنابل على مؤخرات الجيش المصري تلك المؤخرات التي لا يوجد بها أي عتاد أو حتى أفراد.. أنهم يريدون الإزعاج أنه من الواضح… أن الرعب قد تملكهم فهم لا يستطيعون الآن الطيران المنخفض… وبالرغم من ذلك فقد أمر عصمت جنوده بالاستعداد لفتح نيران البنادق إذا هبطت الطائرات للارتفاع المنخفض… وفي أثناء ذلك . وجد عصمت عربة لوري تجري بسرعة جنونية تتحرك لليمين واليسار حتى أن الجنود قال لعصمت لابد أن سائق هذه العربة مخمورة أخذت العربة تقترب وعرف عصمت أنها عربة محملة بالبطيخ وعند وصولها لعصمت ومجموعته توقف فجأة وهبط منها سائق قد أصابه الرعب وأخذ يصيح الإسرائيليون يريدون قتلي. يريدون قتلي… لقد كان يريد أن يحتمي بهم… ضحك عصمت من الحالة التي كان عليها ذلك السائق خاصة أنه كان يبكي .. قال له بثقة لا يستطيع أحد قتلك أنني معك وهؤلاء الأبطال أيضاً…. وإذا حاولت أي طائرة الاقتراب منك سأسقطها بهذه ورتب على بندقيته … أمام هذه الثقة وأمام ضحك الجنود… تمالك السائق نفسه وأحس بالخجل خاصة وأنه يقف أمام رجال في سنه ولكنهم مقاتلون ثم صاح عصمت فيه إلي أين أنت ذاهب فأجابه إلي القاهرة فرد عليه يمكنك أخذنا معك فأجابه السائق سعيدا بالطبع حتى ولو اضطرت إلي تفريغ حمولتي كاملة من أجلكم… فرد عصمت لا داعي لذلك ويمكن الجنود الجلوس علي أجناب العربة وعلي البطيخ. ركب عصمت بجانب السائق في مقدمه العربة حيث صاح السائق في الجنود من يريد أن يأكل البطيخ فليأكل أنه لكم حتى لو أكلتموه كله فضحك عصمت شاكراً إياه على روحه الطيبة وهجم الجنود على البطيخ يأكلون حتى ظهرت كروشهم… سند عصمت رأسه علي زجاج نافذة العربة وهو يبتسم وأخذ يفكر في هذا السائق الخائف وما هو الفرق بينهما ألم يكن من الممكن أن يكون مثل هذا السائق … إن الفرق أنه تربي منذ الصغر على الشجاعة والجرأة ألم يعلمه والده الضابط كيف يستعمل المسدس وعمره عشرة أعوام … ألم يعلمه السباحة وعمره أربعة أعوام ألم يعلمه ألا يشتكي وأن يأخذ حقه دائماً بيده ألم يعلم أن حقه في العراك والقتال مشروع طالما بني علي العدل وفي النهاية ألم يصقله تعليمه بالكلية الحربية والخدمة بالقوات المسلحة أنه نتاج كل هذا… أما هذا السائق فهو فلاح طيب أصبح سائقا أنه اعتاد على الحياة الهادئة منذ الفجر إلى المساء يذهب إلى حقله أو عمله ويعود سالماً بلا مخاطر وأخذ يتذكر مجئ الجنود المستجدين علي شاكله هذا السائق وكيف يتم تدريبهم وتطويعهم ليتحولوا إلى مقاتلين أبطال بمعرفة القوات المسلحة كالجنود الذين يأكلون البطيخ الآن … ويالهم من جنود في الشجاعة والإقدام وقوة التحمل والجلد … *** سلم عصمت نفسه هو ومن معه إلى قائد أحد المعسكرات العسكرية التي في مكان ما بشمال القاهرة تلك المعسكرات التي أنشئت بعد الحرب بغرض إعادة تنظيم وحدات جديدة بأسلحة ودبابات تم إصلاحها حيث أخطره قائد المعسكر بأن عليه الانتظار لمدة 48 ساعة سيتم بعدها تسليمه الدبابات وذخائر وعليه في هذه المدة إعادة تنظيم الصف الجنود في شكل أطقم قتالية سواء الصف أو الجنود الذين معه أو الجدد الذين سينضمون إليه ثم استأذن عصمت قائد المعسكر وقام بإيقاف أحدى سيارات الأجرة وذهب إلى منزل والده وقبل دخول عمارة والده وجده كالعادة جالساً في بلكونة شقته يراقب الشارع ولكنه لم ير ابنه… فدق عصمت جرس الباب حيث فتحت أمه فوقفت مندهشة ثم عانقته… بحب وعطف ثم دخل البلكونة ونادى على أبيه الذي ألتفت ضاحكاً قائلا إيه يا ولد لماذا تربى شعرك كالخنافس ثم أضاف قائلا لقد سمعت من رئيس أركان لوائك العميد مصطفى أنك قاتلت قتال الأبطال لقد شرفتنا … ابتسم عصمت قائلا ولكن أين قابلت العميد مصطفى فأجابه والده أنني علمت أنه أصيب في الجبهة ونقل إلى المستشفى العسكري بالمعادي فقمت بزيارته… لأشجعه فوجدته يتكلم عنك الكلام الكثير فابتسم عصمت مرة أخرى ونظر إلى أبيه المشيب ذلك اللواء المتقاعد الذي لا يظهر حبه وعطفه على أولاده خشية كما يعتقد أن يضعفهم بحكم مهنته وإن كان في داخل قلبه يحمل إليهم أشد شعور الحب والعطف.. أنه حتى لم يحضن ولده أو يقبله… ولكن عصمت في داخله يعلم معدن أبيه ذلك الشيخ الذي اشترك في حرب ( 1948، 1956 ) ذلك الوالد الذي غرس المثل العليا وحب الوطن والفداء … ,.. لقد كان مثالا كاملا للمواطن المصري الصميم وحبه لأولاده وأسرته ووطنه. سأل عصمت أباه وأمه عن أخبار أخوية فأجابه بأنهما في الجبهة ولكنهما بحالة جيدة…حتى الآن… ثم سأل عصمت أمه عن حالتها فأجابته بأنها تقرأ القرآن معظم الوقت وتدعو لكم ولمصر بالانتصار ثم استأذن عصمت والده واقفا وبدأ في الاستعداد للمغادرة ولكن أباه استوقفه سائلا ما أخبار الثغرة … فرد عصمت قائلا إنني من أول القوات التي حاولت قفل الثغرة ولكن لم نوفق … ولكن الآن تم حصارها وإيقافها لقد استغل العدو وقف إطلاق النار وأخذ يوسع فيها مستغلا القوات المتواجدة بالثغرة فحاول أولا عمل ثغرة في اتجاه الإسماعيلية وبورسعيد حتى يمكن فصل هذا القطاع بسهولة ولكنه فشل أمام القتال المستميت للقوات المتواجدة في هذا القطاع فعدل عن هذه المغامرة وفضل النزول جنوبا لعدم وجود قوات كافية من سرابيوم لفايد إلي السويس بل إنه غامرة وحاول بغروره الدخول إلي مدينة السويس ولكنه دفع الثمن غالياً وهرب مذعورا تاركاً المدينة بعد نجح لفترة قصيرة في الدخول في أحد أحياء المدينة… ولكن اعتقد الآن أننا نحاصره جيداً ويمكننا إهلاكه وتصفية جميع القوات داخل الثغرة بسهولة,.. فرد أبوه إن التاريخ يعيد نفسه أعلم يا بني أن الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لن يسمحوا بتصفية الثغرة بل أننا لو حاولنا تصفية الثغرة لاشتركت الولايات المتحدة الأمريكية مع إسرائيل في القتال أنهم لا يريدون نصراً حاسماً للجيش المصري إنهم يريدون أن تكون نتيجة المباراة تعادل أى واحد إلى واحد حتى يمكنهم حل المشكلة المستعصية إنه لا يريدون أن يتفوق الجيش المصري فعندما تفوق الجيش المصري قاموا بعمل الثغرة وذلك بإعطاء إسرائيل المعلومات والإمدادات والأسلحة والمعدات التعويضية بل وضعت الولايات المتحدة جميع إمكانياتها لدي إسرائيل بمعني آخر ظلما لحساب إسرائيل إلا هي الثغرة بغرض تحقيق هدف التعادل ولكن والحمد لله أن رئيسنا ذلك الثعلب أنور السادات يعرف أصول اللعبة… استكمل قائلا وكما قلت لك فالتاريخ يعيد نفسه فقد أنشأ محمد علي باشا جيشا مصريا عظيما في أوائل القرن التاسع عشر أمكن لهذا الجيش فتح الشام والسودان والأراضي الحجازية وتقدم ليهزم الإمبراطورية العثمانية في عقر دارها في معركتين عظيمتين كان التفوق للجيش المصري ساحقا فماذا حدث لقد قان الغرب ( إنجلترا ، وفرنسا و إيطاليا واليونان … الخ ) بتجميع أساطيلهم وضرب الأسطول المصري في ميناء نافارون وذلك لوقف إمداد الأسلحة والذخيرة والتموين للجيش المصري لقد كانت تلك هي الثغرة في ذلك الوقت والنتيجة يجب أن تكون واحد إلي واحد واضطر محمد علي باشا لعقد معاهدة صلح نال فيها بعض المكاسب المحدودة يابنى تذكر أن الغرب لن يترك مصر تحقق نصراً ساحقاً أبداً خاصة وأن إسرائيل يعتبرونها جزء من الحضارة الغربية إن لم تكن جزءاً من الولايات المتحدة … نزل عصمت وهو يفكر في كلام أبيه أيعقل هذا الكلام… !!! استمع عصمت في داخل معسكر التجميع إلي قصص البطولة التي تحققت بمعرفة الضباط والصف والجنود والتي قد تصل إلي حد الأساطير فأصبح ما بين مصدق ومكذب وكانت من أهم القصص التي جذبت انتباهه قصة الملازم مختار الهادي ذلك الضابط الشجاع سليل فلاحي المنوفية والذي قص جنوده الذين قاتلوا معه قصة بطولته بالفخر والاعتزاز حيث تمكن بمفرده بدبابة واحدة من تدمير 6 دبابات إسرائيلية من أحدث طراز وأجبر سرية دبابات إسرائيلية مكونة من 11 دبابة علي الارتداد والفرار من أمامه وكانت هناك فرصة للتأكد من صحة هذه الرواية عندما قابل عصمت قائلا حضرة الملازم مختار لقد سمعت أنك دمرت ستة دبابات بمفردك أهذا صحيح ؟ فأجابه مختارا نعم يا أفندم ولكن بالصدفة… ثم استرد بتواضع قائلا أنني بطل رغم أنفي… فضحك عصمت… كيف ؟ قص علينا قصتك فقد شوقتني لسماعها… قال مختار لقد كنت ضمن سرية دبابات السرية في ذلك الوقت ست دبابات حيث تقدم في اتجاهنا 11 دبابة إسرائيلية معززة بالعربات المدرعة فاشتبكنا معها علي مسافة ثلاث كيلوا مترات ثم فجأة لاحظ قائد السرية 3 طائرات هليكوبتر إسرائيلية محملة بالصواريخ الموجهة التي تستخدم في الرمي على الدبابات وبدأت في الالتفاف من على الجانب الأيسر للسرية . فاتخذ قائد السرية قراراً بالارتداد للخلف لمسافة كيلوا مترين للدخول في منطقة دفاعية لكتيبة مشاة مصرية كانت تدافع في أرض جيدة وحتى يمكن لهذه المتيبة حماية دبابتنا بنيران رشاشاتها وأسلحتها من هليكوبترات العدو وهنا انسحبت جميع دبابتنا إلي المنطقة الدفاعية للكتيبة المشاة عدا دبابتي فلم أسمع الأمر لانشغالي في قتال العدو وعدم اهتمامي لسماع إشارات اللاسلكي .. وفجأة سمعت صوتا رهيبا بجانب دبابتي فأخرجت رأسي من فتحة القائد لمعرفة سبب هذا الانفجار لقد ميزت انفجار صاروخ موجه (11ss ) قد انطلق من إحدى الطائرات الهليكوبتر بل ميزت جميع الطائرات الهليكوبتر الثلاث التي أخذت تقذفني بصواريخها الموجهة ولكن عناية الله فاقت كل عناية فقد كانت هذه الصواريخ اللعينة متصلة بسلك يقوم بتوجيهها في الاتجاه والارتفاع ولكن هذا السلك كان ينقطع بسبب اصطدامه بجريد النخيل من كل جانب وهكذا أطلقوا على دبابتي أكثر من صواريخ ولم يحققوا أى إصابة مباشرة ثم زاد الأمر خطورة أن إحدى عشر دبابة بدأت تشن هجوما خاطفا على من الحركة وأخذوا في الاقتراب بسرعة عالية وحينئذ فكرت في الارتداد إلي مكان سريتي التي عرفت مكانها وأعطيت الأمر للسائق بالرجوع للخلف ثم الارتداد وبدأت في الارتداد ولكني كنت أتحرك مستغلا غبار دبابتي حتى لا يستطيع العدو رؤية انسحابي وساعد على ذلك اتجاه الريح إلى أن السائق لم يستطع تميز حفرة كبيرة عميقة أمامه فسقطت الدبابة بها وتوقف المحرك وعندما أدرت المحرك مرة أخرى لإخراج الدبابة من الحفرة فشلنا لقد كانت دبابتي تحتاج لدبابة أخرى لجذبها من الحفرة … لقد كان الموقف في منتهى الخطورة فدبابتي فقدت حريتها وهناك إحدى عشرة دبابة أخرى تهاجمني وأصبحت على مسافة 1500 متر أو أقل تطلق القذائف نحوي أصدقك القول لقد فكرت بصراحة في أول الأمر أن أهرب أنا وأفراد الطاقم ولكننا عرفنا أننا سنموت لا محالة من القذائف الكثيرة التي كانت حولنا وأخيراً قررنا أن نقاتل حتى الموت فلنكلفهم غالياً قبل موتنا وناديت على المعمر لتعمير المدفع وطلبت من الرامي تمييز أى دبابة للعدو فأجابني بأنه ميز أحدى الدبابات ولكن تلسكوب يميل فأمرته بمراعاة ميل التلسكوب وقلت صائحا ألم أعلمك هذا ( وكان ميل التلسكوب ميلا طبيعياً ناتجاً عن ميل الدبابة الحاد في داخل الحفرة ) وأطلقت أول قذيفة فأصابت الدبابة الإسرائيلية مباشرة فصاح الطاقم بالكامل الله أكبر الله أكبر فزجرتهم بالاستمرار في التعمير والاشتباك ثم أطلقنا الطلقة الثانية بعد حوالي ثلاثين ثانية فدمرت دبابة أخرى فارتفعت معنوياتنا للسماء وزال أي خوف داخلنا لقد كان همنا إصابة أكبر عدد من دبابات العدو.. وبمرور لحظات من ثلاث إلي خمس دقائق نجحنا في تدمير ستة من دبابات العدو من إجمالي 11 دبابة وقد ساعد على ذلك قصر المسافة وغرور العدو الذي أخذ يشتبك معنا من الحركة باستهتار ظناً أنه يمكنه إصابتنا بأحدي دباباته علاوة على عناية الله بنا فالحفرة التي وقعنا بها حمت جسم الدبابة تماماً فلم يظهر للعدو من دبابتي سوى جزء يسير البرج ومدفع الدبابة ولم اكتشف ذلك إلا بعد انتهاء المعركة وفحص أرض المعركة … أما العدو فعندما فقدوا ستة دبابات قام بعمل ستارة دخان كثيفة وانسحبوا من أمامي وسط ذهولي أنا والطاقم… وكانت الطائرات الهليكوبتر قد انسحبت قبل الدبابات عندما وجدت صعوبة في إصابتي علاوة على ارتباطها بمدة طيران … لقد ظللت مذهولاً بعد المعركة مما حدث غير مصدق لنتيجتها حتى أفقت على مجئ دبابتين من فصيلتي قد أرسلها قائد سريتي ليخرجني من تلك الحفرة بعد أن شاهد تلك المعركة العجيبة وكان أعظم مكافأة لي أنني عند رجوعي بالدبابة لمكان سريتي وللكتيبة المشاة أن أخرج جميع المقاتلين ليحيوني بالصياح الله أكبر… الله أكبر بل إن أحد الجنود المقاتلين قام بالزغردة فأمرت الطاقم بالخروج إلي فتحات الدبابة لتحية المقاتلين ونظرت إلى وجوههم بفخر فوجدت الدموع في أعينهم… ابتسم عصمت قائلا أنني أعرف هذه اللحظات من الخوف والشجاعة والفخر… التي مررت بها يا مختار ولكنك في الحقيقة بطل حقيقي ولست بطلا رغم أنفك كما أدعيت إنك تمثل مصر كلها التي قاتلت بإمكانيات محدودة وفي ظل ظروف صعبة ولكنها أنجزت الكثير… سيأتي جيل ما بعدنا وسيقيم ماذا كان في أيدينا وماذا كان في أيدي العدو، أرجو من الله أن أراك مرة أخرى في ميدان الشرف وأرجوا من الله أن تقاتل بجواري .

Leave a Comment