عصمت حمادة (مقاتل يغازل الموت)- الفصل الخامس

** الفصل الخامس

صحا عصمت من النوم بعد نوم هنيء وكيف لا وقد خلع حذائه لأول مرة منذ اندلاع الحرب بل وخلع القايش من وسطه فقد جري العرف علي أن ينام بالأفرول والقايش مربوط علي وسطه والحذاء في رجله ومسدسه بجانبه ولكن الآن الأمان أكبر … واحتمالات أن يتحول للقتال في وقت قصير أصبح بعيد الاحتمال… ولكن أثناء قيامه بغسل وجهه سمع صوت الرتالة وهي تضرب بشدة معلنة عن رفع درجات الاستعداد القصوى وفتح محطات اللاسلكية داخل الدبابات … استغرب عصمت علي هذا التحول المفاجئ خاصة أنه ليست هناك أي عدائيات ظاهرة فلا طائرات مغيره فوقه ولا مدفعية للعدو تقوم بالرمي … وسرعان ما ارتدي ملابسه وقفز داخل دبابته… وأخذ تمام دباباته باللاسلكي وسرعان ما أعطي تمام استعداده لقائده… ثم تلقي المفاجأة الثانية فقد أمر بالتحرك بسريته في هيئة رتل إلى هضبة علي مسافة بضع كيلوا مترات في الأمام ثم الانتظار حتى يلحق به قائد الكتيبة… فقام عصمت بإعطاء الأوامر بذلك لقادة فصائله التي بدأت في التحرك بدباباتها في الاتجاه المحدد . وتحرك عصمت بدبابته علي رأس السرية وأخذ يراقب ضباط وهو يسيطرون علي دباباتهم ويدخلونهم في تشكيل التحرك وأخذ عصمت يفكر في المهمة الجديدة فالهضبة التي حددت له ما هي إلا خط الابتداء لتنفيذ مهمة جديدة ولكن ما كان تقلقه أن المهمة يتلقاها بطريقة سريعة ومفاجئة وغامضة ومختلفة تماماً لما تعود عليه … ثم إنه من الواضح أن تلك المهمة ستكون خارج المهمة الحررة … *** مر عصمت علي مواقع المشاة المصرية التي خرجت من خنادقها لتحيته بتحريك أيديهم المحملة بالأسلحة لقد كانت تلك التحية من محارب إلي محارب آخر تشجعه وتحفزه علي تنفيذ مهامه القتالية الجديدة … لقد أدرك رجال المشاة من تحريك الدبابات من الخلف واندفاعها للأمام بهذه السرعات العالية أن إخوانهم رجال المدرعات علي وشك الاندفاع للأمام خارج نطاقهم لتطوير الهجوم… أخيراً وصل عصمت إلي الهضبة المحددة له حيث أمر قادة فصائله بالترجل من الدبابات واللحاق به علي الهضبة … ولم يمضي إلا بضع دقائق إلا وقد انضم إليهم قائد الكتيبة المقدم المهدي. فتح المقدم خريطته وأخذ يوجهها ثم سأل عصمت أتعرف محلك الآن علي الأرض فأجابه تمام يا أفندم… فأمره المهدي بأن يشير في الخريطة إلى المكان فأشار عصمت بدقة للمكان… فقال المهدي تمام… تمام سنتحرك الان علي هذا الطريق وأخذ يرسم بخطوط متقطعة طريق التحرك علي الخريطة سنفتح هنا وهذا هو الهدف أتعلم يا عصمت ما هو الهدف فأجابه لا… فقام برسم رمزاً يرمز إلى مركز قيادة العدو في الجبهة… وهنا أدرك عصمت ما هي المهمة… ثم استفاض المهدي في شرح المهمة… والجميع في سكون تام … لقد كان المطلوب من عصمت وسريته التحرك لمسافة تزيد عن الثلاثين كيلوا متراً بقليل في أرض معادية يستطلع كل متر منها ويدمر أي قوات تقابله للعدو وقد تكون موجودة مؤمنا تحرك كتيبته حتى الوصول للهدف ثم يشترك مع باقي الكتيبة في تدمير الهدف .. أخذ عصمت يفكر بجدية ثم صاح فجأة ياله من هدف ثمين شهي وبالرغم من إدراكه للصعوبات تماما فإن طبيعته المتحمسة الجسورة تغلبت علي تلك الصعوبات ثم استأنف كلامه قائلا أمام قائده وضباطه ولينقل حماسته لهم أهذه هي المهمة فقط ؟؟؟؟ فأجابه المهدي يكفيك هذا…. ثم ترك المهدي عصمت وضباطه لإجراء أعمال بالمهمة الجديدة. *** اندفعت الدبابات المكلفة باستطلاع من سرية دبابات عصمت للأمام وأخذت تتقدم بحذر شديد في هدوء وثبات حيث أنهم بمجرد عبورهم لخنادق المشاة المصرية أصبح احتمال وجود عدو كبير جداً. وقد تحرك عصمت بدباباته خلف دبابات الاستطلاع مباشرة وأخذت الدبابات تطلق نيران رشاشاتها علي كل كدية أو حشائش في الأرض يمكن للعدو استخدامها في الإخفاء كنوع من أنواع التفتيش الدقيق … وما هي غير ثلاث كيلوا مترات قد عبروها وفجأة فتحت عليهم نيران مفاجئة علي الجانب الأيمن من الطريق…. وبسرعة أمر عصمت جميع دبابات الاستطلاع بالاستتار في الأرض ومحاولة معرفة قوة العدو ومكانه بدقة … وفي نفس الوقت أمر باقي دبابات سريته في الخلف بالتوقف أيضاً والاستتار. لقد كانت الأرض التي يعمل بها العدو ذات طبيعة جيدة للاختفاء والاستتار لما بها من هضاب وتباب متعددة… لهذا لم يرد عصمت أن يغامر بالتقدم إلا بعد معرفة العدو الذي أمامه بدقة… ثم سرعان ما أمر دبابتين من دبابات الاستطلاع بالاشتباك مع العدو من خلف التباب حتى يستطيع أن يكشف خطة نيران العدو والأسلحة التي معه … وبدأت دبابات عصمت في الاشتباك وهو كالمدرب يراقبها ويراقب العدو باستخدام نظارة الميدان.. لقد اكتشف في النهاية أن قوة العدو أمامه عبارة عن أربع دبابات وعربتين مدرعتين… هنا أمر جميع دباباته بالفتح للقتال وسرعة مهاجمة العدو من الحركة لقد كان يثق في كفاءة أطقم دباباته ومستواهم العالي ويريد أن يزيدهم ثقة بأنفسهم وكفاءتهم ذلك بتدمير العدو أثناء تقدم الدبابات بسرعة عالية وبدون توقف ثم اندفع عصمت بدبابته عالية أمام دباباته. فاتحا النيران بسرعة عالية وكان تصرفاً غريب منه فالقائد يجب أن يكون خلف قواته وليس أمامها حتى يمكنه رؤية قواته والسيطرة عليها وكان التصرف الأغرب أنه هبط لداخل دبابته وأزاح رامي دبابته قائلا لو سمحت أترك الطلقة الأولي لأفتتح المعركة… وكانت الطلقة من دبابته أكثر من رائعة فقد أطاحت ببرج الدبابة المصابة مما يدل علي ثقة الرامي … هنا هللت أطقم الدبابات نيرانها في وقت واحد تقريبا وفي خلال وقت قصير للغاية اشتعلت الدبابات المعادية جميعاً وكذا أحد العربات المدرعة وهربت الأخرى هذا ولم تحدث أي إصابات بدباباتنا ولكن لماذا تصرف عصمت هذه التصرفات الغريبة لقد أراد أن يظهر شجاعته وبراعته أمام السرية الجديدة التي يقودها حتى يكون مثالا يحتذي به أما عن المقدم المهدي فأخذ يتصنت علي اللاسلكي حيث أمكنه سماع أشارات وأوامر المعركة ثم فوجئ بعد وقت قصير أن عصمت يبلغه عن تمام تدمير العدو وأضاف أيضاً بأنه يمكنه تمييز تحرك رتل معادي من الدبابات مخلفاً وراءه خطاً هائلا من الرمال علي مسافة أربعة كيلوا مترات لقد استنتج كل من القائدين أن الدبابات والعربات التي دمرت كانت عناصر حراسة واستطلاع لقوة أكبر وها هي القوة الرئيسية للعدو تدخل المعركة وهنا أصدر المقدم المهدي لعصمت بالتمسك بأرض عالية مناسبة لإيقاف دبابات العدو التي تفوقه عدداً فاندفع عصمت ودباباته كالوحوش الكاسرة لتنفيذ هذا الأمر وأخذ عصمت يشرف علي احتلال دباباته للتباب الهامة ويحسن أوضاعها بسرعة حتى تستطيع مقابلة العدو في أفضل وضع ثم فجأة ظهرت دبابات العدو في الموجهة في حوالي ثلاثين دبابة أو أكثر بقليل ومعها أربع عشر عربة مدرعة وبدأ الاشتباك السريع لقد أحس عصمت بالقلق حيث أن كتيبته الأم كانت خلفه وتحتاج إلي عشر أو خمس عشرة دقيقة للدخول في المعركة أو بمعني أخر عليه أن يقاتل بمفرده ضد عدو متفوق عليه بنسبة ثلاثة إلي واحد وبالرغم من هذا فقد تماسك ولم يطلب من قائده الإسراع خشية أن ينقل قلقه إلي قادته المرؤوسين واعتمد علي حسن إدراك قائده وأنه سوف يدخل المعركة في الوقت المناسب ومن المكان المناسب وأخذ عصمت يوجه للقتال من خلف التباب حتى يقلل تعرضها للنيران . وبدأت المعركة صاخبة مميزة بقتال الدبابات فالدبابات الإسرائيلية أخذت تتقدم ببطء معتمدة علي كثرتها وأخذت تلقي نيرانها بأعلى معدل أما الدبابات المصرية فأخذت تلقي بنيرانها من خلف التباب بمعدل أقل لقد كان هدف عصمت الأساسي هو القتال التعطيلي وإحداث أكبر خسائر للعدو وأقل خسائر في قواته مع جذب العدو بكامل قواته في اتجاهه لإتاحة الفرصة لقائده لتوجيه ضربة قوية علي أحد أجناب العدو بطريقة مفاجئة انشغل عصمت بإدارة نيران دباباته علاوة علي مراقبته لأعمال قتال دبابابته وأخذ يعطي التوجيهات لقد دمر للعدو دبابتين ودمرت له دبابة ثم فجأة ظهرت دبابات كتيبة الأم علي الجانب الأيمن للعدو فأصبح العدو بين المطرقة والسندان… وأخذت دبابات العدو تأخذ اتجاهات متعددة للدفاع عن نفسها وأخذت دبابات قوة الالتفاف تضغط بقوة علي العدو بقيادة القائد المهدي الذي ميز عصمت دبابته المرفوع عليها بيرق لقد كان قائداً شجاعاً إلي حد التهور فقد كان مندفعاً أمام دباباته بأكثر من مائتين متر ثم بدأت المعركة تميل لصالحنا وبدأ عصمت كما يقول رجال المدرعات في مصطلحاتهم ” تقسم علي العدو ” أي يضرب ويقود النيران بهدوء وحكمه أو بمعني آخر مسيطر علي الموقف ولكن علي حيرة غرة وجد عصمت دبابته تهتز بشدة وأخذت إضاءات مبهرة تضئ وتطفئ داخل دبابته حتى افتقد حاسة الرؤيا لبضع ثوان لقد دخل مقذوف قاتل داخل دبابته لذا صاح عصمت في الطاقم بسرعة بإخلاء الدبابة قبل قبل أن تنفجر تماماً… ثم قفز من دباباته هو والمعمر ثم تلاهم الرامي … ولكن السائق لم يخرج … وبحركة لا شعورية قفز عصمت فوق الدبابة مرة أخرى فوق مكان السائق تماماً وأحس بالسعادة عندما وجد فتحة السائق مفتوحة حيث أزاحها بيده فوجد السائق جالساً وهو مذهول… ولا يتحرك… فأمره بسرعة الخروج … ولكنه أجابه مذهولاً بأنه لا يستطيع.. فصاح عصمت في وجهه حاول الخروج وسأعاونك من الخارج ومد عصمت ذراعيه القويتين وأمسك بكتف السائق وجذبه لأعلي وبجهد كبير خرج السائق من فتحته ولكن بدون ساقين… وهنا أدرك عصمت ما حدث لقد أصيبت دبابته بذلك الصاروخ الملعون الأمريكي الصنع المسمي ( التو ) الذي عند اصطدامه بجسم الدبابة يقوم بإنتاج حرارة عالية تصهر الحديد وقام الحديد المصهور بأكل ساقي السائق… فجذب عصمت سلك تليفون قديم من علي الدبابة يستخدم في ربط الأشياء علي ظهر الدبابة وقام بربط ساقي السائق ربطاً محكماً عند منطقتي القطع حتى يمنع النزيف ولكن ما كان يدهشه أن السائق المقاتل بالرغم من الإصابة الجسيمة التي به فإنه لم يبكي أو يخف بل إنه طلب من عصمت برجولة ألا يتركه كما تقضي التعليمات حتى يلحق به العناصر الطبية وتعالجه… بل أصر علي أن يوضع علي أحد محركات الدبابات وأن يترك حتى تنتهي المعركة….. وقد نفذ عصمت طلبه عندما ركب دبابة أخري حيث وضعه علي محرك الدبابة ونسيه تماماً لانشغاله في المعركة… ( عاش السائق بعد ذلك فخوراً بهذا الحديث وقد تم تركيب أطرافه صناعية له فيما بعد …) ودارت المعركة ساخنة بين الدبابات لقد كانت القذائف اللعينة تقذف هنا وهناك متفجرة ومبعثرة وشظاياها في جميع الاتجاهات حاصدة للأرواح فخسائر قتال الدبابات من أعلي الخسائر لأي نوع من القتال وهي تصيب الفائز والخاسر في نفس الوقت … لقد كانت النفوس قلقة والعرق يتصبب وبعض الأيادي ترتعش بل إن بعض المقاتلين من تأثير الخوف الشديد أصبحوا يتحركون ويتعاملون مع الأسلحة وأجهزة الدبابة بدون وعي وأدت هذه التصرفات إلي تكرار الأوامر والتوجيهات وظهور العصبية وانفلات اللسان لقد كان الموت يحوم حول الجميع ويصيب الطرفين … وتصاعدت الأحداث… ثم فجأة بدأ العدو في عمل ستارة الدخان والارتداد.. فقد أصبحت خسائره كبيرة وغير مقبولة… إنه يخاف علي أرواح جنوده دائما بمبالغة وبمجرد إحساسه بأن خسائره أصبحت عالية ينسحب سريعا من المعركة … ولقد أحس المقدم المهدي ببدء بوادر الانسحاب حتى قبل أن يبدأ العدو بتشغيل ستائر الدخان لذا بدأ مبكراً بإعطاء تعليمات لمطاردة العدو وتكبيده أكبر خسائر ممكنة… بدأ العدو في سحب دباباته الأمامية بسرعة وأخذت دبابتنا تتقدم بجرأة للأمام الالتحام بدباباته المنسحبة وارتفعت الروح المعنوية لعنان السماء بعد ضيق والكرب… بدأت المعركة تأخذ شكلاً جديداً… فدبابات العدو أخذت تحاول الفرار في اتجاه الشرق ودباباتنا تحاول تدميرها بالنيران وبالحركة خلفها.. وفجأة صدرت أوامر بإيقاف المطاردة وعودة دباباتنا للمناطق الدفاعية… تعجب عصمت لهذه الأوامر فأنها تعني أن المهمة الأساسية قد ألغيت بالرغم من النجاح الفائق الذي حقق … وأخذ يسأل نفسه ما هو السبب الحقيقي للإلغاء المهمة من أجل أن المهمة قد حققت بواسطة الطيران في تدمير مركز قيادة العدو ولا داعي للوصول بالدبابات إلي أعماق أعماق العدو أوهناك أسبابا أخرى لا يعلمها أن القادة الأصاغر في المعركة لا يعلمون إلا القليل فالمثل العسكري يقول المعرفة علي حد قدر الحاجة !!! **** رجعت الدبابات إلي حفرها السابقة في عمق الدفاعات وأخذ الجنود يفردون شباك التمويه عليها حتى لا تظهر لطائرات العدو وأخذ عصمت يمر علي أفراد سريته بمعرفة الخسائر الحقيقية ورفع الروح المعنوية فكثيراً ما كان ضابط أو جندي يصاب ولا يبلغ عن إصابته ساخراً منها بالرغم من أنها قد تكون إصابة متوسطة لقد توحش الرجال وأصبحوا لا يبالون بأشياء كثيرة وهنا يظهر الإهمال أخذ عصمت يمر بين الدبابات مداعباً جنوده ذاكراً أدائهم بالمعركة ساخراً من البعض ومشجعاً للبعض الأخر لقد كان يقابل وجوها ضاحكة أحياناً ووجوهاً مكتئبة مرعوبة ولقد كانت تلك الوجوه مصدر سخريته دائماً . لقد كان عصمت في ذلك الوقت صغير السن قليل التجربة لم يستطيع أن يميز أن أعصاب الإنسان وقدرته علي تحمل الضغوط النفسية والمادية تختلف من إنسان لأخر بل إن الظروف البيئية والأسرية المحيطة بالشخص نفسه تلعب دوراً كبيراً في مدي تماسك الشخص وقدرته علي ضبط النفس ولكن عصمت كان يضع نفسه كمقياس للتحمل والتماسك وياله من مقياس خاطئ فهو شجاع بالغريزة تربي في أسرة عسكرية منضبطة فوالده وجده وكذا إخوته كلهم من الضباط وينحدرون كمعظم المصريين من أصل عربي صعيدي يؤمنون بالقول المأثور إن حقك دائماً تأخذه بيدك . ولكن في الحقيقة بالرغم من سخرية عصمت بالبعض إلا أنه بفكاهته المرحة كان يهدف إلي تسرية وتخفيف الأمر علي هؤلاء الأشخاص المتشنجين من تأثير القتال..أنه في الواقع كان يخلق هذا الجو المرح المألوف بالحياة العادية والذي يشعر فيه الشخص بالثقة والاطمئنان في كل ما هو حوله . تذكر عصمت بعد بضع ساعات من الراحة بأنه قد نسي نظارته الشمسية علي أحد التباب قبل نشوب المعركة مباشرة فقد خلع نظارته الشمسية ووضعها علي الأرض وأخذ يبحث عن العدو بنظارة الميدان وفي النهاية نسي نظارته الشمسية لقد كانت هذه النظارة عزيزة عليه لأنها هدية من والده عند نجاحه في الإعدادية ولكن المشكلة أن النظارة قد تركت في منطقة خطرة في المنطقة الحرام بيننا وبين العدو لقد كانت خارج أرضنا بمسافة ثلاثة كيلوا مترات … ومع ذلك فقد أصر عصمت علي إحضار نضارته ليس فقط لأنها عزيزة عليه بل إنه يشعر بدافع غريب للتحرك في اتجاهها والحصول عليها . لقد استغرب الزملاء عندما رأوه يجهز نفسه ببندقية آلية وقاذف صاروخي وأتهمه البعض بأنه يستعرض شجاعته… وأخذ عصمت ينادي علي رفيق له في هذه الرحلة الغير مأمونة فاستجاب له رقيب من الصاعقة يدعي محمد يماثله في الجسارة والجرأة. وبدأت رحلة السير في اتجاه تلك التبة ولكن بحذر شديد حتى لا يقعوا في أحد كمائن العدو … وبعد مسيرة حوالي 52 دقيقة بدأت أثار معركة الدبابات تظهر فهناك عربات ودبابات ومعدات مدمرة تماماً بل إن بعضها لا يزال ينبعث منها أدخنة وباقترابهم أكثر بدأوا في تمييز الجثث واستمر عصمت في التحرك في اتجاه تلك التبة المنشودة ولكن بمزيد من الحذر وسرعان ما اعتلي التبة صاعداً مستخدماً أذرعه وأرجله وفور وصوله أعلي التبة وجد النظارة سليمة وعليها أتربة كثيفة فأحس بالسعادة الغامرة لحصوله عليها مرة أخري ولا شعوريا تنازل عن حذره ووقف شامخاً ناظراً في اتجاه العدو وأخذ عصمت ينظر يميناً ويساراً يفحص بدقة ميدان المعركة الذي كان يقاتل فيه منذ بضع ساعات لقد كان هناك حافز غريب يدفعه للاستطلاع والاكتشاف فأخذ يفحص الدبابات والعربات والأسلحة المدمرة ويحاول معرفة أسباب تدميرها نتيجة سوء استخدامها للأرض ثم أخذ يفحص الجثث المصابة … وقد استغرق وقتاً ليس بقليل لفحص ما يريده وانتبه لنفسه أخيراً بعد أن صاح فيه الرقيب محمد قائلا أعتقد يا أفندم أنه حان الوقت للرجوع… خاصة وأن الشمس في طريقها للغروب … فأجابة عصمت… صح فلنرجع… ولكن علينا أن نغير الطريق فأنا أفضل دائما أن أري الجديد وجذب عصمت من جيبه بوصلته ورصد الزاوية التي سيسيرون عليها فقد كانت الشمس في أوان غروبها وهناك احتمال أن المسافة الأخيرة في السير سوف تكون في الظلام وهذا سيتوقف علي مدي لياقتهم البدنية في السير … ثم سأل عصمت الرقيب محمد عن كلمة السر اليوم وكذا كلمة المرور فأجابه محمد بها وليس هذا السؤال لأن عصمت لا يعلمها بل لأنه يريد أن يتأكد منها لأن حياته وحياة زميله تعتمد علي هاتين الكلمتين اللتين بهما سيدخلون المواقع المصرية ليلاً. استمر في السير بحماس علي طريق العودة الجديد… وفجأة أثناء سيرهما بجانب دبابة إسرائيلية مدمرة انبعث صوت صائح النجدة… النجدة…. فأرسل عصمت إشارة صامته بيده فربما كان مصر الصوت عدواً في كمين .. ولكن الصوت تكرر ثانياً … ولكن في خفوت وأنين من الألم .. ولكن لم يستطع تمييز الشخص الموجود أسفل الدبابة فأمر الرقيب محمد بالثبات في مكانه وأخذ ساتر لحمايته عند اقترابه من الدبابة وأخذ عصمت يزحف في اتجاه مصدر الصوت حتى اقترب منه علي بضع أمتار في هذا الوقت أمكن تميزه لرجل ممدود بين عجل بوجي الدبابة فوجه عصمت بندقيته في اتجاه ذلك الرجل وصاح بحذر من أسفل الدبابة أمصري أم إسرائيلي فأجابه … مصري والله والعظيم مصري … فسأله بحذر ليتأكد أنه مصري المباراة التي كانت بين الأهلي والزمالك الشهر الماضي ما هي نتيجتها فأجابه لم يكن في الشهر الماضي أي مباراة بين الأهلي والزمالك.. هنا تأكد عصمت من أن الجندي مصري… ثم طلب منه عصمت أن يخرج من أسفل الدبابة فرد عليه بأنه مصاب منذ ثلاثة أيام يف رجله وأن رجله تعوقه عن الحركة وأنه زحف عندما أصيب إلي أسفل الدبابة حتى يستظل بظلها ثم أصيب بإغماء وعند إفاقته وجد وحدته قد غادرت المنطقة بعد قتالها وترك لمدة ثلاثة أيام بلا مأوي أو تعيين سوي قليل من المياه في زمزميته … فزحف عصمت أسفل الدبابة بعد أن نادى على الرقيب محمد لمعاونته وأخذ يجذب هذا الجندي المصاب من أسفل الدبابة حتى أخرجوه حيث كان في حالة من الإرهاق والتعب لا حد لها وكانت الرغاوي تتساقط من جانبي فمه مغلقاً كلتا عينيه لأنه لم يستطيع تحمل ضوء الشمس عند تعرضه له لقد كان في حالة يرثي لها أو في الواقع علي شفا الموت ( 1 ) وأخذا يحاولان إيقافه ولكن رجله المصابة كانت متسيبة ولا تعمل ( حيث كانت مصابة بثلاث طلقات ) وفي النهاية جعلاه يقف بينهما واضعا ذراعا علي عصمت والأخرى علي الرقيب محمد واخذ يجذباه في هذا الوضع لمسافة أكثر من ثلاث كيلوا مترات في حوالي أربع ساعات إلى المواقع المصرية… وبمرور السنين عندما يتذكر عصمت هذه الواقعة فأنه يعجب لشدة تهوره واندفاعه لإحضار شيء لا يستحق كل هذا العناء وهي تلك النظارة اللعينة والتي فقدها مرة أخرى بعد هذه الحادثة بأشهر ولكنه فهم حكمة الله في ذلك .

Leave a Comment