عصمت حمادة (مقاتل يغازل الموت)- الفصل الرابع

*** الفصل الرابع

اجتمع الضباط في الصالة الإسرائيلية الأنيقة بالمنطقة الحصينة لقد كان أغلب الضباط من ضباط المشاة حيث أن الوحدة القائدة من المشاة تحت قيادة العقيد عبد التواب …التي قد دعمت بسرية دبابات وعناصر من الصواريخ الموجهه لقد كان الجميع فرحين وفي نشوة النصر خاصة وأن العدو ظل خامل النشاط لمدة ثمانية وأربعين ساعة بعد المعركة التي تكبد فيها خسائر فادحة … ثم بدأ العقيد عبد التواب في الحديث بالثناء علي الجميع الضباط والصف والجنود في قتالهم وخص بالذكر بعضا ممن أبدوا شجاعة فائقة … ثم أمر بدقيقة حداد علي أرواح شهدائنا الأبرار … ثم أخبرهم بأن هناك تعليمات عاجلة بإعادة التنظيم وانتقال بعض الضباط إلى وحدات أخري للتكليف بمهام قتالية جديدة وهنا وجه كلامه إلى عصمت قائلا … إنك مطلوب تحركك اليوم مساءً للانضمام إلى اللواء المدرع ( وحدته الأصلية ) وعليك تجميع أي أفراد من أطقم الدبابات التي دمرت دباباتهم لأخذهم معك لقد كنا نريد أن تظل معنا لقد حاولت أن تظل تحت قيادتي ولكن قيادتك أصرت علي سرعة انضمامك للواء مساء هذا اليوم بارك الله فيك ثم قام واحتضن عصمت مصافحاً قائلا علي فكرة إنك ستتغذى معي اليوم فذلك الغذاء هو حفلة توديعك … فأجابه عصمت ضاحكاً وهو كذلك . لم يأخذ الاجتماع إلا نصف ساعة حيث تحرك عصمت مع قائده لملجئه لتناول الغذاء …بمجرد جلوسهم علي المقاعد بدأ العقيد عبد التواب يتكلم مع عصمت عن خبرته في أعمال القتال عن الأيام السابقة ثم سأله عصمت قائلا أنني أتعجب يافندم كيف خسرنا حرب 67 والعدو ليس بالقوة التي تمكنه من إحراز نصر بل إنه في الواقع كثيراً ما يتجنب القتال الفعلي لأنه يخشى دائما خسارة أرواح أفراده . فقال العقيد عبد التواب إن الحرب الحديثة تكسب قبل أن تبدأ فبالتخطيط الجيد والإعداد الدقيق والقيادة الواعية وبالحشد المناسب للقوات والأسلحة والمعدات ثم بتحقيق المفاجأة كل ذلك سيؤمن ويؤكد النصر وهذا ما فعله عدونا في الحرب السابقة وهذا ما فعلناه في الحرب الحالية … لقد كان هناك سلبيات كثيرة في الماضي عززت هذه الهزيمة وفي الحقيقة أن عوامل الهزيمة كانت فينا قبل أن تكون في قوة العدو ولكن الحمد لله فقد استطعنا دراسة هذه السلبيات وتلافيها .. وانظر الآن … إلى هذه الأيام المجيدة فها نحن اخترقنا خط بارليف بسهولة عابرين أكبر مانع مائي في التاريخ الحديث ناجحين في تدمير الدشم الحصينة مدمرين جميع هجمات العدو المضادة بأحدث دباباته وأسلحته كل ذلك بفضل الله والقيادة الواعية والإعداد والتجهيز الجيد للأفراد والأسلحة والمعدات هذا بالرغم من أن العدو يملك كما من الأسلحة والمعدات أحدث وأكثر بكثير مما نملك … لقد كان الغذاء ثريا بأنواع المأكولات بعضها من التعيين المصري والأخر من مخازن جيش الدفاع الإسرائيلي وعلي الأخص علب الكمبوت والشكولاتة … حتى أن معدة عصمت قد امتلئت تماما بالطعام … وكأنه يعوض سوء التغذية عن الأيام السابقة وأخيراً قام عصمت واقفا قائلا … معذرة أيها القائد فعلي الآن الرحيل لتجهيز الأفراد خاصة وأنني أحسست أنني علي شك النوم … فقام عبد التواب باحتضانه مرة أخرى ذلك الاحتضان الذي يدل علي الحب والدفء الحقيقي بين رجلين لم يتعرفا علي بعض إلا من بضع أيام لا تربطهما ببعض صلة غير المشاركة في الشجاعة وحب الوطن … لقد ظللت هذه اللحظات راسخة في عقل عصمت خاصة وأنه كان اللقاء الأول والأخير بينهما فقد استشهد البطل العقيد عبد التواب بعد بضعة أشهر بعد كفاح وقتال مضي كان فيه مثالا للقائد الشجاع القدير وذلك في يوم إيقاف النيران بيننا وبين العدو الإسرائيلي من دانة مدفعية طائشة وقد أكد هذا نظرية راسخة في ذهن عصمت يؤمن بها دائماً وهو أن الله دائما يختار الأخيار من أهل الأرض بجانبه مبكراً عن باقي البشر…. وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم في حديثه الشريف عندما قال “كلكم ميت وإنما يعجل بخياركم ” *** تحرك عصمت بالعربة اللوري حاملا أفراد أطقم الدبابات الزائدة عن الدبابات وأخذ يحي أفراد المشاة بالمواقع الحصينة لقد كانوا يلوحون له بعلامة النصر أو بالتلويح بالبنادق أما هو فكان يرد عليهم بالإشارة بذراعه من خارج نافذة العربة … ولم يمر سوي وقت قصير إلا وقد خرج من نطاق المنطقة الحصينة لقد كان عليه أن يتحرك مسافة أكثر من ثلاثين كيلوا مترا عرضاً بطول الجبهة ولذا فقد أخرج خريطته وأخذ يدرس ويراجع طريق التحرك بعد أن لم في السابق بأوضاع قواتنا وبأوضاع حقول الألغام والمناطق التي لا زال بها اشتباكات حتى يستطيع تفاديها وعموما فقد كان خطة الجبهة في هدوء نسبي حيث خسر الإسرائيليين حوالي 600 دبابة وعربة مدرعة والتي كانت تمثل قوة الدفاع الإسرائيلية عن سيناء … ولكنه يعلم الآن أن الإسرائيليين يحركون مئات الدبابات من عمق إسرئيل للجبهة المصرية … لتعويض خسائرهم العالية وأخذ عصمت ينظر لحطام الدبابات والعربات والمعدات الإسرائيلية المحطمة والمحروقة وقد تناثرت بجانبها أشلاء بشرية وجثث وبقع حمراء غامقة حمراء أخذت تتحول بالتدريج للون الأسود والأرجح أن قواتنا لم تهتم في المرحلة الأولي برفع الجثث حيث كان كل مجهود قواتنا موجه أساساً للتجهيز الهندسي لإنشاء حفر ملاجئ للأفراد ومرابض للدبابات والمدفعية … لقد كانت الإصابات في تلك الجثث محكمة أحالتها إلى أشلاء ممزقة هؤلاء الذين أصابهم الغرور والخيلاء وظنوا أنهم شعب الله المختار وأنهم أذكي شعوب البشر ونسوا أن البشر جميعا من أب واحد وأم واحد. ثم أثناء مروره علي إحدي وحدات المشاة المصرية لاحظ أنهم دفنوا شهدائهم بأرض المعركة حيث وضعوا جثثهم بأعلى التباب والهضاب حيث أن الأرض كانت صخرية لا يمكن حفرها وقد وضعوا فوق جثث الشهداء أكواماً من الحجارة لقد دفنوهم بملابسهم وأحذيتهم ثم وضعوا أخشاب صغيرة في شكل أوتاد ومثبت عليها خوذ الشهداء وأسماؤهم . لقد أصابته رعشة كهربائية عند مروره بهذا المنظر فقد أحس بأن هؤلاء الشهداء يراقبونه من أعلي بل ويحيونه … لقد شعر بإحساس غامر بأن ذلك هو أفضل موت لمقاتل المؤمن بالله وعدالة قضيته … بل وتمني أن يستشهد ويدفن بهذه الطريقة … في الصحراء الفسيحة … في أعلي التباب … أخذت عربته تسير عبر قواتنا المقاتلة وكثيراً ما كان يتم إيقاف عربته للتأكد من الشخصيات ومعرفة كلمة المرور … ثم سرعان ما يتم سؤاله من أفراد الحراسة والمعارضة عن أخبار وحدته وما حققته ثم سرعان ما ترتفع الروح المعنوية لكل الأطراف … وأخيراً وصل إلى منطقة التجمع المطلوب الوصول إليها تلك المنطقة التي علي مدخلها ضابط من الشرطة العسكرية وجنود للإشارة فسألهم بعد أن أعلن عن نفسه ومهمته عن المكان المطلوب التوجه إليه فأرشدوه إليه . تحرك عصمت إلى داخل منطقة التجمع وقد لاحظ أن هناك أرتال من الدبابات أخذت تنتشر في المنطقة ودبابات أخري قد سكنت في ملاجئها .. لقد أحس أنه يتم الآن تجميع اللواء المدرع الأم بعد أن كان قد ساند هجوم المشاة الأبطال في الأيام الأولي … وأنهم مقبلون علي مهمة جديدة … اتجه عصمت إلي مركز قيادة اللواء بعد أن عرف مكانه وأبلغ عن وصوله وعن القوة التي معه .. حيث أمر بالانتظار في مركز القيادة حتى تصل الأوامر الجديدة له … وهنا استغل الوقت في التوجه إلي صديقه النقيب محسن وهو ضابط يعمل بمركز القيادة ليعرف أخبار كتيبته من ناحية وما أنجزته والخسائر بها وعندما سأل محسن عن ذلك أجاب أن الخسائر حتى الآن مقبولة … ولكن ما يميز الخسائر هو ارتفاعها في ضباط المدرعات بصفة خاصة … لوقوفهم لمدرعات الدبابات بشجاعة فائقة مستهينين بالموت ثم سأل عصمت عن ضباط كتيبته أسماً أسماً وهنا أجابه محسن بأن كمال ومحمود رماد (1) والآن وهناك أربعة من الضباط جرحي وذكر له أسماؤهم وذكر أنه تم إخلائهم للعلاج ثم أخبره أن أحد الضباط الاحتياط أصيب بالصرع من جراء الحرب فسأله عصمت وكيف تعاملتم معه فأجابه محسن أن الطبيب الضابط أفتي بأن عليه أن يستمر في الميدان لأنه لو سحب من الميدان لأصيب طوال عمره حيث أن علاجه أن يستمر في الميدان . حتى يرجع إلى حالته الطبيعية مع رفع الأعباء والواجبات عنه عليك فضحك عصمت ياله من خيار علاج … حقاً إن أصابع اليد كلها ليست متساوية والقدرة علي التحكم والسيطرة علي النفس تختلف من فرد لأخر ولا يظهر ذلك إلا في المواقف الشديدة … لقد كان عصمت في تلك اللحظة يحس بالشعور المتناقص يحس بالزهو والفخر لما أنجزته قواته ووحداته ويحس بالحزن والألم والقلق للخسائر التي حدثت من استشهاد بعض الضباط والصف والجنود الذين يعرفهم وكان وعلي صلة بهم ولكنه تذكر أن الشعوب عليها ضريبة الجهاد أمام الله . وأخيراً صدرت الأوامر إليه بأن يتوجه إلي كتيبته وقد عين قائداً لسرية دبابات لإحدى الدبابات التي استشهد قائدها فتوجه عصمت سريعا لمقابلة قائده وهو المقدم المهدي الذي انفصل عنه من اليوم الثاني من بدء الحرب نظراً لسحب عصمت ضمن مجموعته لتدعيم أعمال قتال المشاة . وجد عصمت المقدم المهدي جالساً علي الأرض بجانب دباباته وقد شد شبكة الإخفاء والتمويه علي دبابته فصنعت له ظلا وكان أمامه صندوق ذخيره من الخشب يستخدمه كمكتب حيث وضع أمامه خريطة وعلبة ألوان وكان عند وصول عصمت يرسم علي خريطته … فصاح عصمت مساء الخير يا أفندم فأجابه أهلاً وصلت أخيراً .. كيف حالك وما أخبارك . وأخبار أبو العلا هل صحيح جرحه كبير فأجابه عصمت قائلا في الحقيقة الشظية كانت كبيرة ذات حافة حادة ولكنها مرت مر الكرام علي بطنه ففتحت البطن تماما 25 سنتيمتر إنما لم تتوغل فأبو العلا يملك بكن من الفولاذ وقد سمعت أنه يتحسن الآن بالمستشفي الميداني بعد أن أجريت له الجراحة اللازمة … ثم واصل المقدم المهدي قائلا والله منذ زمان لم أرك لقد سمعت أنك كنت سارحا في الجبهة … فضحك عصمت معلقاً بالفكاهة سيادتك الذي تخلصت مني وأرسلتني لمعاونة المشاة فضحك المهدي قائلا ها نحن قد أحضرناك مرة أخرى سوف نري ماذا سوف تفعل … الظاهر يا عصمت أنهم يعيدون تجمعنا لأن هناك تطورا جديداً في الحرب وعلي كل حال اعتقد أنك ستقود السرية الثانية دبابات وهي والحمد لله جميع دباباته سليمة عدا دبابة واحدة أرجو أن ترفع كفاءتها الفنية في أسرع وقت فلا يعلم إلا الله ما هي مهمتنا الجديدة فقال عصمت تمام يا أفندم هل هناك أوامر أخرى رفد شكراً لك، تحرك عصمت في اتجاه سرية دباباته الجديدة سيراً علي الأقدام وأخذ يفكر وكان متفائلا ومتشوقاً لرؤيته أفراد كتيبته السابقة ضابطاً وجنوداً … *

Leave a Comment