عصمت حمادة (مقاتل يغازل الموت)- الفصل الثالث

الفصل الثالث

أخذ عصمت يتفحص النقطة الحصينة باندهاش وتعجب من حجم الأموال التي صرفت في تلك النقط الحصينة والتي تسمي في إجمالها بخط بارليف لقد كانت بعض تلك النقط الحصينة ذات ثلاث مستويات فهناك علي مستوي الأرض دشم الأسلحة والدبابات ( مرابض النيران ) وأبراج المراقبة المصنوعة من الأسمنت المسلح ويعلوها أحجار بارتفاع من 6 إلى 8 متر لزيادة قدرة الدشم علي امتصاص المفرقعات ويربط ويثبت هذه الأحجار بعضها ببعض شبكة من الحديد الصلب .. ثم المستوي الثاني وهو أسفل مستوي الأرض حيث توجد ملاجئ الأفراد وصالات الترفيه والطعام ثم المستوي الثالث لأسفل في عمق الأرض حيث توجد المخازن لوضع الاحتياجات والذخائر بل وفي بعض الأحيان وضعوا مدافع في أسفل حيث يتم رفعها حيث تتحرك تلك المدافع لأعلي إلي الدشم ويتم فتح نوافذ هذه الدشم الفولاذية لتمكن تلك المدافع من الرمي … لقدكان الانفاق علي هذا الخط ببذخ ولما لا وقد كانوا يظنون أنهم لن يخرجوا من هذا الخط المنيع بتاتاً أو بعد عشرات الأعوام … ثم دخل عصمت غرفة مبيت الأفراد وقد لاحظ وجود صور لنساء عارية علي الحوائط لمجلات أجنبية … كما لاحظ أيضا وجود أجهزة للتكييف والتهوية بكثرة علاوة علي أسرة ومراتب جيدة الصنع لقد أدرك أمام جيش مرفه جيداً . لقد كانت الفترة التي قضاها عصمت في النقطة الحصينة من أفضل الأيام التي قضاها في فترة الحرب فقد نام لأول مرة منذ اندلعت الحرب 6 ساعات متواصلة هذا بينما لم ينم في الأيام الثلاثة السابقة في كل يوم إلى فترة تتراوح بين 20 إلى 30 دقيقة متواصلة صحا عصمت علي رنين التليفون الميداني فوجد قائد الكتيبة المشاة يتحدث معه قائلا له أنه عين قائداً لسرية الدبابات بدلا من الرائد أبو العلا ( الذي علم مسبقاً أنه قد أصيب ) حيث تم إخلاؤه للخلف للعلاج .. ولقد كان عصمت ينتظر من قائده أن يكلمه بعنف ويزجره عن فقده لاتجاه التحرك أثناء المعركة وعن خسائره العالية في فصيلته لكنه كما يبدو قد غفز له هذه الأخطاء لأنه اشتبك بشجاعة مع قوة الهجوم المضاد للعدو حيث استطاع إشغالها وإخراجها من المعركة الرئيسية للكتيبة ما هيأ الظروف المناسبة للكتيبة في إختراق النقط الحصينة.. وبعد انتهاء المكالمة شغل عصمت أنه عليه الآن سرعة رفع الكفاءة الفنية والادراية لدبابات سريته حتى تستطيع القتال المناسب في المرة القادمة … فأخذ عصمت يتجول بين النقط الحصينة مسلما علي ضباط وجنود المشاة الأبطال الذين أخترقوا بأجسامهم هذه النقط الحصينة ويرد عليه الجنود بالتعظيم وبشائر السعادة والفخر علي وجوههم … وكأنهم لا يصدقون أنفسهم في الانجازات التي حققت . وأخذ عصمت يسأل نفسه هل تم تعظيم العدو واعطاءة حق أكثر مما يستحق قبل المعركة أم معاونة الله تعالي وإنزاله السكينة في النفوس هي السبب في هذا النجاح …وعلي حين غرة وجد عصمت صديقه النقيب خالد علام امامه ذلك الصديق الي كان يقابله دائما في نادي هليوبليس الرياضي . فاحتضنه وعانقه مشجعا لقد كان ذلك الملازم من قادة المشاة الأصاغر الذين هاجموا دشم العدو بصدورهم . ولكن منظره كان يختلف تماما عن منظره بنادي هليوبليس الرياضي . فخالد لم يكن حليق الذقن تحيط بعينيه كرتين من السواد يدلان علي عدم النوم منذ بداية الحرب … وإرهاق جسماني ونفسي يظهران علي جميع أجزاء جسمه ..ولهذا أخذ عصمت يداعبه ضاحكا علي منظره الرث … وكان خالد يرد عليه بالضحك المماثل وكأنه سعيد بأنه وجد أخيراً من يضحك معه في مثل هذه الظروف الصعبة . سأله عصمت عن أخر مرة رأي فيها المرايا … ؟ قائلا له قد أصبحت أحد الفيلة التي تتحدث قصة كليلة ودمنه . ثم سأله عن أخبار البنت الجميلة يجلس أمامها في النادي بالساعات ولا يتخذ أي إجراء فعال للتعرف عليها … لأنه خجول … ثم استرسل عصمت ضاحكاً يا خالد الهجوم أفضل من الدفاع والهجوم يحقق المكاسب إنني أقترح عليك فور الانتهاء من هذه الحرب الهجوم وذلك بالتكلم مع هذه الفتاه الجميلة … اترك الخجل ورائك أتقاتل وتتعرض للموت … ولا تخاف وتخاف تتكلم مع بنت جميلة … فضحك خالد قائلا والله أول ما تنتهي الحرب سأعمل بنصيحتك أنني معجب بها للغاية وأريدها أن تكون زوجتي فضحك عصمت وصافحه وقال اتفقنا … ثم سار متجاورين في اتجاه بعيد عن الدشم التي تم الاستيلاء عليها … ما هي إلا لحظات وقد سمعوا صوت الرتالة التي يقوم بضربها المراقب الجوي والتي تدل علي وجود غارة جوية . وهنا جذبه خالد من يده قائلا أقترح أن نجري سريعا وندخل بالدشم الاسرائيلية إنها قوية وتتحمل بسهولة الضرب … فأجابه عصمت أتجعلنا نجري كل هذه المسافة .. أعتقد أن الأفضل أن ندخل هذه الخفرة البرميلية القريبة أنها أفضل … وهنا اختلف الأثنان وكا منهما نفذ ما يعتقد أنه علي صواب . لقد كان من هوايات عصمت أن يرفع رأسه وعينيه دائماً ويراقب طائرات العدو أثناء غارتها .. فإنه من الرجال الذين يصعب انحناء رأسهم لأحد حتى مع الموت … ما هي إلا لحظات حتى حلقت طائرتان فانتوم 4 فوق النقطة الحصينة وقذفتا بقنبليتين زنت 2000 رطل فوق الدشم الاسرائيلية مباشرة . وبالذات الدشمة التي دخلها خالد منذ … أخذ عصمت يراقب الطائرتان وهما تنقضان علي أهدافهما ثم إسقاطهما للقنابل الشيطانية ثم ارتفاعهما المفاجئ لأعلي لتفادي الشظايا المنبعثة من القنابل الضخمة … والتي لا تستطيع الطائرة أن تحمل واحدة منها فقط … وهنا ارتجت الأرض كالزلزال وبالرغم من أن عصمت كان داخل حفرته البرميلية وعلي مسافة لا تقل عن 300 متر من منطقة الإصابة إلا أن الحصى والأتربة اصطدمت بوجهه فاضطر إلى خفض رأسه بالحرفة البرميلية ثم سمع الانفجار الثاني المدوي ولكنه لم يستقبله بنفس القوة فقد وضع كلتا يديه علي أذنيه وما أن مرت عدة ثواني إلا وقد رفع عصمت رأسه مستطلعا تأثير القنبلة علي الدشم … لقد كانت الاصابة محكمة في دشمه خالد خاصة وأنها كانت في أضعف نقطة وهي مدخل الدشمة … أما الدشمة الأخري فلم تصب بتاتا … لقد كانت الدشمة بالنسبة لهم مقبرة حقيقية احتوت أجسام الشهداء حيث تهدمت تماما فرقدوا بها ساكنين هادئين حتي يومنا هذا … وتحطمت بذلك أحلام سبعة من شباب مصر الأبطال كان أحدهما خالد … ولم تمضي بضع دقائق إلا وقد أرسل المراقبون الأرضيون المدفوعون للأمام للأشارات الدالة علي بدء الهجوم الأرضي بالدبابات إذن فالعدو سيحاول استرداد النقطة الحصينة وما الهجوم الجوي إلا تمهيد للهجوم الأرضي وهنا جذب عصمت صفارته من جنب سترته وأخذ يطلق صفيرا حاد متقطعا إنها إشارة إلي قادة الدبابات بركوب الدبابات والاستعداد السريع للقتال … ثم قذف بنفسه داخل دباباته واضعا جهاز اللاسلكي على وضع العمل والهلمت ( غطاء الرأس داخل الدبابة ) علي رأسه قائلا بالاسلكي ” لقد حان العمل يا أولاد بعد راحة الطويلة التي أخذتموها “أخذ عصمت يراقب سحب الأتربة المتجهة في اتجاه النقطة الحصينة من تأثير سير الدبابات الاسرائيلية وتقدمها لقد لاحظ أنها تتزايد بقليل عن الثلاثين دبابة علاوة علي تدعيمها بالعربات المدرعة المحملة بالمشاة الإسرائيلية وفي أثناء ذلك اتصل به قائده باللاسلكي وسأله عن موقفه فأجابه أنه جاهز للاشتباك بجميع الدبابات وأنه في انتظار إشارة فتح النيران لقد تقدمت الدبابات الاسرائيلية وأخذت تقلل السرعة لفتح تشكيل الهجوم ولاحظ أنها لم تتوقف ولم تقم باستطلاع مواقع انتظار كعادة القادة الإسرائيلين بل أنها تحاول الهجوم من الحركة مستهينة بالعدو الذي أمامها ولم تستفيد من خبرة قتال الأيام السابقة بل وصل حد الاستهانة أنها بمجرد أن أخذت تشكيل القتال بالمواجهة بدأت بزيادة سرعة الدبابات والمدرعات وبدأت بالهجوم السريع سأل عصمت نفسه يا له من قائد غبي أنه يهاجم ويعتبر نفسه أنه فائز من البداية معتمدا علي أن معه حوالي خمسة وثلاثون دبابة وأن عدوه مدعم فقط بسبع دبابات ولم يعمل أي حساب للمشاة المصريين هؤلاء الأبطال الذين لم يعلم الإسرائيليون قدرتهم وإمكانيتهم الحقيقية بالرغم من مرور بضع ألأيام من قيام الحرب . سأل الملازم حسن باللاسلكي عصمت هل اضرب الآن يا فندم إنني أميز الدبابات الإسرائيلية جيداًَ فأجابه عصمت لا تفتح النيران الآن وفتح النيران سيكون بأوامر شخصية مني … وبالرغم من أن قائد المشاة قد أعطي أوامر فتح النيران إلا أن عصمت فضل بذكاء حبس النيران للوقت المناسب … فقد حسبها جيداً فلو أنه أعطي الأوامر بالرمي ودبابات العدو علي مسافة من أثنين إلى ثلاثة كيلوا مترات لأمكن للعدو أن يركز نيرانه علي الدبابات وأن يخصص لكل ثلاثة دبابات إسرائيلية دبابة واحدة مصرية حيث أن هذه المسافة لا تمكن دباباته من إصابة دبابات العدو من أول طلقة فإنه فضل أن يحبس نيرانه حتى تدخل دبابات العدو للمسافات القريبة في مناطق القتال التي تحددها من قبل إنه يريد أن تكون كل طلقة خارجة من دباباته طلقة قاتلة لقد كانت خطة استخدامه للنيران تعتمد علي مفاجأة العدو من حفرة جيدة التجهيز ومخفية جيداً لا تظهر دباباته منها إلا عند إطلاقها للنيران أخذ العدو يزيد سرعة قواته عند إقترابه من مواقعنا وأخذت دباباته تتكاثف في قطاع ضيق تلك عقيدة العدو السرعة في الاختراق في قطاع ضيق . ثم للوصول في العمق للتأثير علي الروح المعنوية وسرعة انهيار الدفاعات ولكن الآن كل مقاتل يعلم عقيدة العدو جيداً ومدرب علي كيفية احتواء العدو وبشجاعة وتدميره ويعلم دوره وظيفته في المعركة . سواء كان رامي دبابة أو مدفع أو قاذف أو جندي مشاة … سواء بفتح النيران أو بالقتال المتلاحم أو بوضع العوائق ( كالألغام ) وبدأت المعركة بالنسبة لقوات عصمت بإشارة منه باللاسلكي … قائلا رعد الآن وذلك عندما كان العدو علي مسافة 1500 متر من مرابض دباباته حيث أمر دباباته بتركيز النيران علي دبابات العدو الدقاقة التي اندفعت للأمام لفتح الثغرات في حقول ألغامنا وبمرور عشرة دقائق نجحت سريته في تدمير ثلاث دبابات للدقاقة بنيران أبطال المشاة ولكن العدو أخذ يدفع بدباباته خلف دبابات الدقاقة الناجحة وأخذ يدفع بدباباته للعبور من الثغرات التي نجح في فتحها … واشتدت المعركة وأصبحت النيران و الانفجارات في كل مكان بأرض المعركة فاستطاعت دبابات عصمت أن تدمر دبابتين أخريين ولكن دبابات العدو واصلت الهجوم السريع والضغط حيث أمكن لدبابات النسق الأول من عبور وتجاوز مرابض دباباتنا بحوالي 16 دبابة وهنا بدأ القتال المتلاحم بين أبطال المشاة وتلك الدبابات وهنا أصدر عصمت أوامره بترك الدبابات التي نجحت في الاختراق لأبطالنا المشاة وسرعة التعامل مع دبابات النسق الثاني وفصلها عن النسق الأول … لقد كانت المعركة رهيبة هنا وهناك تجري في كل متر من الأرض انفجارات ونيران ودخان وأتربة وضوضاء عالية من تأثير الانفجارات وتشغيل مواتير الدبابات والعربات … وصياح وتكبير الله أكبر … ودماء تسيل بدون حساب … وأجسام بشر تحترق داخل الدبابات والعربات … وروائح عطنة غربية متصاعدة من تاثير حرق أجسام البشر والكاوتش والبلاستيك … لقد كان صراعا عجيباً رهيبا ممزوجاً بين التكنولوجيا والشجاعة والذكاء والإمكانيات والقدرات لكل من الطرفين المتضادين إنها أطول دقائق في عمر البشر المشتركين فيها دقائق مملوءة بالمتناقضات بالخوف والرهبة وحب البقاء بالشجاعة والشرف والكرامة وحب الوطن … ثم لاحظ العقيد عبد التواب وهو قائد المنطقة الدفاعية أن دبابات العدو بدأت تتوقف أمام القتال المتلاحم لجنوده وبدأت مجهوداتها القتالية تتشتت وهنا أصدر أمر بسرعة احتلال القوات الاحتياطية المدعمة بالصواريخ للتباب الحاكمة حول دبابات العدو وبسرعة معاونة القوات المقاتلة والدبابات في تدمير العدو .. لقد دخلت دبابات العدو في المصيدة فالمشاة المصريون الأبطال يقاتلوهم من داخل حفرهم بل بعضهم قد تركوا حفرهم وقفزوا فوق دبابات العدو غير مبالين بالنيران يحاولون قتل أطقم الدبابات بالسنكي أو بنيران البنادق وصواريخنا الموجهة تحصد دبابتهم من الجنب ودبابتنا تفصل دباباتهم عن بعضنا وتمنعهم من الانسحاب … لقد كانت سيمفونية عظيمة للنصر بقيادة المايسترو عبد التواب … حيث بدأت بالتدريج تظهر معالم الهزيمة علي قوات العدو حيث بدأت بعض الدبابات المتفرقة تحاول الارتداد في اتجاهات مختلفة مما يدل علي أن القائد الإسرائيلي قد فقد سيطرته علي دباباته … وأن القادة الأصاغر يحاولون الانسحاب بدون خطة واضحة للانسحاب .. وهنا أصدر العقيد عبد التواب أوامره المشددة بمنع الانسحاب والارتداد للعدو بتكثيف القتال المتلاحم ورمي الألغام سريعا علي الطرق المتوقع الارتداد عليها .. وعب دبابات عصمت المناورة السريعة وعمل الكمائن لمنع ارتداد دبابات العدو … وتم تنفيذ أوامر القائد باستجابة سريعة وبدأت أصوات المعركة تقل رويداً رويداً حتى سكنت تماما إلا من أثار الحرائق والدخان وأنات المصابين .. لقد فقد العدو في هذه المعركة من الدبابات والعربات حوالي 80 % من قواته أما الأسري فإن عددهم كان أكثر من المعتاد فدبابات عصمت بمفردها تمكنت من أسر 14 أسيراً وعن تجميعهم أمام عصمت تمهيداً لتسليمهم للقيادة الأعلى فوجئ بأنهم ذو أشكال مختلفة فبعضهم أصفر الشعر ذو عيون زرقاء والأخر ذو شعر أسود وبشرة سمراء اللون … والبعض البعض الأخر زنجي الشكل وكان معظمهم في حالة من الذعر والخوف والرهبة بل أنهم عندما يقترب منهم جندي مصري سرعان ما يغطي وجهه بذراعيه متوقعا أنه سيضرب … هنا خطب فيهم عصمت باللغة الإنجليزية بأنهم قد أصبحوا أسري أي خارج المعركة وأنه لا داعي لذعرهم لأنهم سيعاملون معاملة كريمة تليق بالمقاتلين … طالما أطاعوا الأوامر والتعليمات … وفي الحقيقة فإن هذه المعركة كانت ضربة كبيرة للقادة الإسرائيليين أثبتت أنه من الصعوبة بمكان أن يحاولوا استرداد المناطق الحصينة وهذا ما حدث حيث أن هذه المنطقة الحصينة لم تهاجم مرة أخري حتى نهاية الحر ب .

Leave a Comment