عصمت حمادة (مقاتل يغازل الموت)- الفصل الثانى

الفصل الثانى

أخذت عصمت يحتسي الشاي كعب الزمزمية بشغف لقد كانت رشفة من رشفات الشاي حلوة المذاق ذات تأثير كبير ومنشط وأخذ يسأل نفسه لماذا هذا الشاي غير عادي هل لأنه لم يتناول هذا الشاي منذ فترة أم لأن سائق دبابته قد نظف علبة صاج من المعلبات ثم ربطها بسلك ثم قام بتسخين مياه بالعلبة مستخدما عشب الصحراء كوقود فالأرجح أن الشاي ألتقط رائحة الدخان المنبعثة من العشب فأدخل عنصرا جديداً علي النكهة … ولقد كان في حالة مزاجية رائعة سعيداً ولم لا وقد نجح هو وأقرانه في صد ثلاثة هجمات معادية أحدثت في العدو خسائر فادحة ولم تحث له ولا لجنوده أي خسائر تذكر … بل أنه بلا عمل تقريبا منذ أربعة وعشرون ساعة كاملة …فحتي الغارات الجوية قد بعدت عنه فلا تزال الطائرات الاسرائيلية تركز هجمات علي المعابر وتتساقط بكثرة مما يؤكد نجاح الدفاع الجوي المصري في السيطرة علي منطقة المعابر و أن القوات المصرية مستمرة في التدفق للشرق …. *** سأل الجندي مراد ذلك الجندي حديث الخدمة الحاصل علي بكالوريوس التجارة قائده عصمت لماذا لا تحس بالخوف مثلنا ؟ فأجابه عصمت متعجبا ومن الذي لا يخاف !!! فرد الجندي لقد ظننت أنك لاتخاف أبداً .. أنني راقبتك أثناء قتالك أنك تقاتل كأنك تمارس عملا يوميا بأعصاب عادية وبلا انفعال بل إنك أحياناً تضحك وتسخر من أفعال بعض الجنود الذين لا يتقنون عملهم من إنفعالهم ومنهم أنا شخصيا لقد اعتقدت في النهاية أنك لا تخاف أبداً فأنت شجاع للغاية فأجابه عصمت يالك من أحمق إنني أخاف مثلك تماما ولكني مدرب علي إخفاء الخوف بخبرتي .. يامراد إن الخوف والشجاعة نسبيتان متلازمتين فلا شجاعة لا يسبقها خوف فالشجاع هو الذي يحس بالخوف وبالرغم من ذلك يتغلب عليه ويسيطر علي نفسه ويتصرف التصرف السليم أما الجبان فهو لا يستطيع السيطرة علي نفسه ويتصرف التصرف الخاطئ أما الإنسان الذي يحس بالخوف فهو الإنسان المجنون الفاقد الأهلية يامرادإذا أردت أن تكون رجلا شجاعا فدرب نفسك علي إخفاء الخوف ودرب نفسك علي التصرف السليم في ظروف الشدة … قطع حديثهما تدخل جندي المراسلة الذي أخبر عصمت بأن قائده الأعلى يريده في مركز قيادته علي وجه السرعة … لقد أحس عصمت أن وقت الراحة قد انتهي وأن عليه أن يتلقي مهمة جديدة بمركز القيادة . هرول عصمت إلى مركز القيادة لمقابلة قائده … لقد جري العرف علي ان يتلقي المهام القتالية من قائده المباشر أما يتلقي المهمة من قائده الأعلي بالمنطقة الدفاعية فيعني ذلك أنه سيتلقي مهمة جديدة متميز تحتاج إلى تقدير جيد للموقف وتحتاج إلى دراسة متفتحة ولهذا استدعي . دخل عصمت إلي مركز القيادة الذي كان عبارة ملجأ سريع الإنشاء تحت الأرض وكان الملجأ مكون من حجرة واحدة واسعة وبها فتحة واحدة لدخول الأفراد وفتحة أخري للتهوية … وكان بالملجأ منضدة مثبت عليها خريطة وفي وضع أفقي بواسطة دبابيس وبجانب الخريطة وضع مصباح لإنارة الخريطة كما يوجد في أخر الملجأ سرير سفري وكرسي واحد يستخدمه القائد وبجانبهم علي الحائط معلق بندقية القائد وخوذته ونضارة ميدانية .. لقد كان القائد برتبة عقيد قائداً لكتيبة مشاة وفي الحقيقة لقد كان ذلك أول لقاء بين عصمت وبين هذا القائد فقد انضم عصمت لمعونته وكان يتم تبادل المعلومات والأوامر إما باستخدام التليفون الميداني أوبالا سلكي أو عن طريق السعاة . إلا أنهما قد فهم كل منهما الآخر فهما جيدا مبني علي الثقة بالرغم من أنهم من رجال سلاحين مختلفين ولم يروا بعضا وعلاوة علي كل منهما كان شجاعا وذكيا يجيد التنبؤ بأحداث المعركة …لقد راقب العقيد القائد عصمت أثناء قتاله لقد وجده رابط الجأش في أشد لحظات المعركة صعوبة يتصرف كمحترف ووجد كل تصرفاته ذكاء وحسن تصرف وكان متشوقا لرؤيته . وها قد حان الوقت لرؤيته … ألتفت القائد عند سماعه لصوت خطوات عصمت وهو يدخل الملجأ . وقد منكبا علي وجه خريطته في ذهنه تعليمات وأوامر المهمة الجديدة ونظر إلى عصمت متفحصا .. ولكن عاجله عصمت بتقديم نفسه النقيب عصمت قائد الفصيلة الثانية دبابات يا أفندم فأجابه قائده ومن الذي لا يعرفك … يا عصمت … فضحك عصمت تلقائياً. أخذ كب من الرجلين ينظران بعضهما باحترام وترقب لقد كان شكلهما مختلفا من ناحية المظهر الخارجي فعصمت كان أبيض اللون طويلا رشيق القوام من تأثير إسرافه في لعب التنس ذو عينين عسليتين وشعر أصفر غامق. وعموما من ينظر إليه من أول وهلة يتخيل أنه من أبناء الذوات المرفهين الذين ولدوا بملاعق من ذهب . ولكن عندما يتكلم يظهر صوته الرجولي الحازم ثم سريعا ما يتغير الانطباع الأول إلى انطباع معاكس تماما , أما القائد فقد كان أسمر اللون قصير القامة عريض الكتفين ذو صلعة دائرية وقد ظهر علي جانبيها الشعر الأبيض الكثيف بالرغم من أنه سنه أصغر من أن يكون شعر رأسه أبيض بهذه الكثافة قال القائد فلنستغل هذا الوقت قبل مجئ باقي الضباط لمعرفة المهمة الجديدة خاصة وأنك ستعلب فيها دورا هاما .. وبدأ يلقن عصمت مهمته الجديدة ودوره بها …. انطلق عصمت بدبابته للأمام بمجموعته من دبابتين ومركبتين ذات جنزير تحملان 30 جنديا من المشاة لقد كان مدفوعا للعمل كعنصر استطلاع مقاتل أمام كتيبة مشاة قد كلفت بمهاجمة نقطة حصينة تسيطر علي البحيرات المرة بقناة السويس ونظراً لقوة النقطة الحصينة التي تشمل علي عدة دشم للمدافع ول الدبابات والرشاشات ونظراً لأنه يصعب مهاجمته من الأمام فقد كان تفكير القيادة العليا هو أن يتوقف الهجوم علي هذه النقطة الحصينة في اليوم الأول ومن العبور وباستغلال نجاح سقوط النقطة الحصينة علي أجنابها يتم مهاجمتها في اليوم التالي ومن الخلف… ومن هنا كانت مهمة عصمت ومجموعته هي استطلاع وتأمين طريق تحرك المجموعة المقاتلة المكلفة بمهاجمة النقطة القوية ومشاركتها في الهجوم … وبالرغم من صعوبة المهمة الملقاة علي عاتقه لأنه سيتحرك في أرض معادية قد يوجد بها كمائن للعدو أو حقول ألغام مخفاه فأنه اندفع بمجموعته بحماس مقسما مجموعته إلى قسمين قسم يندفع لإجراء الاستطلاع وقسم أخر يقوم بحماية القسم المتحرك .. أخذ عصمت يتقدم بسرعة فائقة هو قادته ومن تبة لأخرى وعند وصوله لكل تبة فأنه إما يحاول صعود التبة الدبابة أو علي أرجله ليري من الأعلى لأكبر مسافة ممكنة وحتى يمكن اكتشاف كمائن العدو في المكان الوقت المناسب .. وأخيرا قد استلفت نظرة هضبة عظيمة الارتفاع علي طريق تحركه تصلح للمراقبة الجيدة فأمر سائقه بالتوجه إليها.. والتوقف أسفلها . و فقز عصمت من دبابته متسلقا للهضبة التي كان يصعب صعودها بالدبابة.. وعند انتهائه من صعودها أحس بالإرهاق لإرتفاع الهضبة وصعوده السريع بدون راحة ومع هذا فإنه تحرك بسرعة أعلي الهضبة وفي إتجاه تحركه المنتظر وأخذ ينظر تارة باستخدام العين المجردة وتارة أخري باستخدام نظارة الميدان وفجأة سمع صوتا غريبا لإدارة محرك للبنزين !!! إن محركات دباباته وعربات المدرعة ذات الجنزير تعمل بمحركات ديزل ولكن هذا المحرك البنزيني لم يسبق له سماعه من قبل وبالفطنة عرف أنه قريب جداً من العدو أنه علي بعد أمتار منه وبالرغم من أنه مسلح فقط بمسدسه وأن قواته أسفل التبة لا تسطيع حمايته فأنه تقدم بسرعة إلى حافة الهضبة … حيث وجد عربيتين مدرعتين إسرائيليتين من عربات الاستطلاع ذات البرج المسلح بمدافع 95مم وكذا برشاشات تحاولان الفرار السريع .. وفي لحظة أدرك الموقف جيداً لقد كانت العربتان تقومان بالإستطلاع من أعلي هذه الهضبة قبل مجيئه لقد كان في الواقع محتلين الهضبة ورأوه هو يصعد الهضبة وبالرغم من أنهم كانوا يستطيعون قتله بسهولة ومفاجأة قواته إلا أنهم فضلوا الفرار وعدم الكشف عن مكانهم .. أخذ عصمت يقفز سريعا للنزول من الهضبة صائحاَ في جنوده بوجود خلف الهضبة ولكن لكثرة صياحه وحماسته وسرعة ترديده الكلمات كان له أكبر الأثر في عدم إلمام قادته المرؤوسين بمضمون الإشارة … وهذا مكن العدو من كسب مسافة 2 كيلوا متر هربا … ولكن سرعان ما بدأت المطاردة وكان هذا أول خطأ وقع فيه عصمت منذ أن بدأت الحرب . اندفع عصمت ومجموعته خلف العربيتين الإسرائيليتين كالذئب الجائع ناسيا أنه لايجب ألا يحيد عن طريق تحركه المكلف بتأمينه … لقد وجه كل اهتمامه نحو اصطياد وتدمير عربات العدو … وسرعان ما غرزت احدي العربات بالرمال الناعمة خاصة وأن سائق العربة الإسرائيلي من شدة خوفه لم يستطع تمييز الأرض التي تحرك في اتجاهها … وهنا أمر عصمت دبابته بالتوقف والتنشين بدقة علي العربة حيث أمكن بسهولة من إصابتها من أول طلقة في نقطة الاتصال بين البرج والجسم مما أدي إلى انفجارها السريع وانفصال البرج عن الجسم وبالطبع لم ينج أحد … أما العربة الأخرى فقد فرت سريعا مستغلة خفة حركة العربة وسرعتها بالمقارنة بالدبابة التي تطاردها … ولكن ما استدعي انتباه عصمت أن القائد الإسرائيلي لم يحاول قتاله مطلقا بالرغم من تسليحه الجيد وأنه كان في مقدوره إدارة برج عربته للخلف وإطلاق النيران ولكنه ركز علي الفرار . ارتفعت علامة القلق يوجه عصمت عندما اكتشف أن جميع الدبابات وليس دبابته فقط لا تحقق الاتصال باللاسلكي بقيادته الأعلى وكان هذا هو اكتشافه الثاني لأن اكتشافه الأول كان أنه هو وقواته فقدوا اتجاههم أثناء مطاردته لدورية العدو وأنه قد انحرف شرقا بمسافة كبيرة لا تقل عن عشرة كيلوا مترات عن طريق التحرك المحدد له … فك أزرار سترته وجذب الخريطة من صدره وحاول قراءتها وتحديد مكانه بدقة ولكنه فشل في ذلك لعدم وجود علامات بارزة بالأرض تساعده في تحديد محله . وأخذ يفكر كيف يحل هذه المشكلة بسرعة لأن مهمته الأصلية تطلب منه الانضمام إلى القوة الرئيسية والمشاركة في الهجوم علي النقطة القوية .. وقد حان توقيت الهجوم … وأخيراً وجد أن أفضل حل هو أن يغير اتجاهه إلى الغرب وأن يحاول الارتكاز علي الهضاب والتباب العالية للتعرف علي مكان قواته الرئيسية أو مكان العدو . فأصدر أوامره بأن سيتحرك من تبة أو هضبة لأخرى وعلي باقي قواته أن تسير خلفه بمسافة كيلوا متر …. وأخذ يتحرك من تبة لأخرى مستطلعا أي قوات للعدو ولكنه لم يرا شيئا … غير تباب الرمال وكدي الحشائش الجافة بالوديان … ولا حتى آثار لحياة سابقة أو حالية … وفجأة سمع ضربا شديداً للمدفعية يتخلله إطلاق نيران مدافع دبابات من اتجاه الشمال الغربي . وعند ذلك وجه نظره لاتجاه الشمال الغربي فميز هضبة كبيرة مرتفعة فأصدر الأمر لسائق دبابته بالاتجاه فورا إليها .. وكذا أعطي أوامره لباقي القوة باللحاق به . اندفع بدبابته لاحتلال أعلي الهضبة وبعد إيقافه لدبابته ميز غباراً لإطلاق نيران من مدافع وسريعا ما وضع نظارة الميدان علي عينيه وأخذ يراقب ويكتشف الأسلحة التي تقوم بالرمي وعلي من تقوم بالرمي وسرعان ما ألم بالموقف …. لقد كان موقفا غريبا حرجاً ومزعجاً .. لقد كانت كتيبة المشاة التي هو مسئول عنها معاونتها تصطف علي الخط الذي ستبدأ منه الهجوم ويظهر في تشكيلها 7 دبابات وهي باقي سريته وذلك علي خط خلف النقطة الحصينة حيث تقوم المدفعية المصرية بضرب النقط القوية ولكن الغرابة في الموضوع أن خلف الكتيبة بمسافة 2.5 كيلوا متر تحتل 6 دبابات إسرائيلية مرابض نيران جيدة التجهيز علاوة علي عربات مدرعة عربات أخذت تقذف بالصواريخ الموجهة علي الكتيبة المشاة المصرية من الخلف وكما يبدو فإن كتيبة المشاة المصرية من الخلف وكما يبدو فإن الكتيبة المشاة المصرية لم تستطيع تحديد اتجاه الرمي لأن معظم القوات كانت تظن أن الرمي من الأمام من إتجاه النقط الحصينة وليس من الخلف … لقد كان تركيز قائد الكتيبة المشاة علي النقط الحصينة وعلي أهمية مهاجمتها بسرعة … لقد كان أمام عصمت خياران لا ثالث لهما وهما أما أن ينضم سريعا إلى قواته التي علي مسافة 5 كيلوا مترات ثم سيحاول إبلاغها بالموقف وهذا سيحتاج إلى حوالي من 30 إلى 40 دقيقة ستتكبد فيها القوات المصرية خسائر عالية خاصة وأن قوات العدو في وضع جيد ومخفي تماما وإما أن يقوم باحتلال خط مناسب للاشتباك مع العدو وجذبه في اتجاهه . حتى ينجح الهجوم الرئيسي في الهجوم علي النقط الحصينة وفي هذا الحل مخاطرة كبيرة له للقوات التي معه حيث أن العدو يتفوق عليه في الدبابات ومسلح جيداً بالصواريخ الموجهة المضادة للدبابات وفي لحظات اتخذ القرار الذي يراه مناسبا وهو الحل الثاني بعد أن وضع خطة جهنمية للتعامل مع العدو . لقد كانت خطته ببساطة تتلخص في الآتي .. جذب أنظار العدو في اتجاهها يقوم بواسطة الدبابتين بالتقدم واحتلال خط مناسب يستطيع منه ضرب العدو من جنبه ولقد كانت المشكلة في هذه الخطة أنه يجب أن يوهم العدو بأن القوة التي تقوم بالتفاف عليه كبيرة وليست عربيتين مدرعتين لذا أمر العربات المدرعة بالتحرك بفاصل 500 متر علي أن تجر كل عربة حلقتين من سلك الكنسرتينا خلف العربات حتى يتم خروج كمية كبيرة من الأتربة من خلف العربتين فتوهم العدو أن هناك تل كبير من الدبابات تقوم بالالتفاف وللنجاح في تنفيذ ذلك أخذ يحدد بدقة طريق تحرك العربتين للوصول إلى جانب العدو وشدد علي أن لا تظهر العربات للعدو إنما يظهر فقط الأتربة الكثيفة المتصاعدة .. ثم أصدر أمرا بتنفيذ الخداع أولا بعد أن لقن الجميع بمهامهم … فتحركت العربات بسرعة عالية جاذبة الأسلاك الشائكة خلفها … وعمل عصمت كالمخرج السينمائي الذي يبذل كل الجهد لظهور الفيلم بصورة مشرفة حيث أمر العربات بزيادة سرعتها … ثم أمرهما بالتحرك بطريقة الزجزاج حتى تفت جنازير العربات الأرض جيداً وتتصاعد سحب الغبار بكثافة عالية خلفهما … وسرعان ما جذب التحرك الخداعي أنظار العدو … حيث قاموا بتحريك مدافع دبابتهم في اتجاه قوة الالتفاف الخداعي … وبالطبع رفعوا نيران دباباتهم علي القوة التي تقوم بالهجوم علي النقط الحصينة … عجب عصمت لنجاحه البالغ في خداع العدو بهذه البساطة وأدرك أن العدو أهمية كبيرة للقوة التي تقوم بالالتفاف خاصة وأنها قريبة منه … هنا أصدر أمره للدبابة الأخرى بالتقدم الفوري واحتلال هضبة مناسبة للرمي علي العدو … لم يمر سوى عشرين دقيقة منذ فتح عصمت نيران دبابته إلا وقد أصاب أحد دبابات العدو في مقتل حيث انفجرت سريعا مخلفة ورائها سحابة كبيرة من الدخان الأسود هذا بالرغم من أنها كانت في داخل حفرة مجهزة جيداً وبالرغم من أن الجزء الظاهر منها لم يتعد سوي البرج . وأخيرا أدرك العدو أنه خدع وأن الالتفاف وهمي وركز كل نيرانه وصواريخه علي الدبابتين … وهنا أصدر عصمت أوامره للدبابات بالرمي من أعلي التبه ثم الاختفاء السريع خلفها ثم إعادة التعمير من أسفل التبة ثم الرمي من أعلي التبة وهكذا لقد كان يهدف أساساً إلى تعرض الدبابات أقل فترة ممكنة … وفي نفس الوقت جذب نيران العدو في اتجاهه لمنعها من التعامل مع القوة الرئيسية … لقد كان يبارز مارداً جباراً … وكان أخطر الأخطار التي تواجه الدبابات تلك الصواريخ الموجهة التي يتم إطلاقها من ثلاث عربات داخل حفر … لقد كان الصاروخ ينطلق ككرة اللهب تير بحذاء الأرض ثم ترتفع وتنخفض طبقا لتوجيه الرامي … كثيرا منها ما كان يصطدم بالأرض لأنه عند وصوله للهدف أن يجد الدبابة قد نزلت خلف التبة … ولكنها أخيرا نجحت في إصابة إحدى دبابات عصمت يحاول أن يعرف من نجا منها حيث وجد بعد انقشاع الدخان أن قائد الدبابة هو الوحيد الذي نجا …. حيث قفز من الدبابة في الوقت المناسب … ولكن كان منظره باعثا علي الضحك بالرغم من هول الموقف فعند قفزه من أعلي الدبابة سقط علي ظهره فأخذ يحرك أرجله وأذرعه بطريقة عشوائية سريعة تدل علي عدم إدراكه كالخنفساء التي انقلبت علي ظهرها وتحاول تعديل وضعها بتحريك أرجلها … لقد كان مخه لا يعمل من شدة الفزع والرعب الذي رأه في صورة زملاءه الذين حرقوا والنيران التي لسعته والدخان الذي خنقه والمصير الذي كان يمكن أن يؤول إليه منذ ثواني مضت ثم صاح عصمت مناديا بعد أن وجده يسير علي غير هدي في اتجاه العدو أشار إليه ليركب دبابته ولكنه رفض الركوب وأخذ يشتم بكلمات غير واضحة المعني ( ومن الغريب أنه نجي واعتذر لعصمت بعد أن قابله بعد ذلك بعدة أيام ) . وأخيراً رأي عصمت كتيبة المشاة والدبابات المعاونة لها قد نجحت في اقتحام النقطة القوية وأصبح القتال متلاحماً… وعرف أنه حان الوقت للتخلص من المعركة … فأصدر أوامره للعربات المدرعة بتفادي المعركة والانضمام السريع إلى كتيبة المشاة وفي نفس الوقت أخذ يخلص دباباته من التبة التي استخدمها للرمي … لكن كانت مشكلته أنه إن تقدم للحاق بالكتيبة فسوف يعرض دبابته لنيران 5 دبابات و3 عربات صواريخ … وفعلاً أخذ ينطلق بدبابته بأعلى سرعة في اتجاه النقطة الحصينة وكان أثناء تحركه يسير بطريقة زجزاجية لتفادي المقذوفات تنفجر بصورة تلقائية أمامه وخلفه وعلي أجنابة …وكان في كل وقت ينتظر اصطدامها بدبابته …بالتالي الموت الزؤام … ولكن فجأة أحسن برجة شديدة بدبابته أثناء تقدمها السريع وأخذ ينظر داخل دبابته لعله يجد نيران مشتعلة أو إصابات بالأفراد ولكنه لم يجد شيئا فأمر رامي دبابته بالاستمرار في الرمي ولكنه أجابه أن هناك أصابة تمت ببرج الدبابة وأن البرج لا يستجيب في الإدارة وهنا تأكد عصمت أن هناك إصابة ببرج دبابته ولكنها إصابة غير قاتلة والأرجح أن هذه الأصابة من أحد تلك المقذوفات المحملة بمادة شديدة الانفجار ( تى . إن . تي ) ( TNT) التي لا تخترق برج الدبابة فتجعله لا يتحرك … فأصبح عصمت الآن يهاجم النقطة الحصينة بدبابة بدون أسلحتها . ولهذا فعندما رأي انسحاب الدبابات الخمسة المعادية وعربات الصواريخ إلى داخل سيناء … خرج عصمت من برج دبابته وأخذ يضرب ببندقية الآلية لاصطياد الجنود الإسرائيليين الفارين من الدشم … قد نجح في اصطياد 3 جنود إسرائيليين بسهولة خاصة وأنه كان يجيد القتال بالبنادق كإجادته في القتال بالدبابات … لكن كان أعجبه منظرا رآه أنه شاهد جنديا مصريا يعمل كعامل إشارة يأسر ثلاثة جنود إسرائيليين مسلحين ببنادق آلية بواسطة مسدس 9 مم … عندما أوقف دبابته وتحدث مع الأسري الإسرائيليين مستفسراً عن سبب استسلامهم السريع للجندي المصري بالرغم من تسليحهم أجابوا بأنهم كانوا نقطة ملاحظة للمدفعية وأثناء عملهم فوجئوا بالجندي المصري يأمرهم بعد أن شهر مسدسه بتسليم أنفسهم فرموا أسلحتهم علي الأرض فوراً … لقد كانوا يظنون علي حد قولهم أنهم محاضرون من قبل قوة مصرية كبيرة وليس فرداً واحداً . ***

Leave a Comment