عصمت حماده ..... مقاتل يغازل الموت

عصمت حماده
  • أخي العزيز القاريء :-

  • هذه قصة حقيقية من واقع حرب أكتوبر اضطررت إلى كتابتها وما أنا بكاتب أو مؤلف ولكنني مقاتل سابق وقد دفعني لكتابة هذه القصة أنني لم أجد مؤلفا أو كاتبا كتب شئ يليق بحرب أكتوبر العظيمة... وأمام سخطي وإحباطي اضطررت لكتابة هذه القصة وقد شجعني على ذلك قربي من شخصية بطل هذه القصة و إمكان تسجيل حوادث القصة بسؤاله هو أو سؤال المقاتلين الذين قد شاركوا معه و نالوا شرف القتال .... وبالطبع فقد استبعدت كثيرا من الحوادث وأسماء الأماكن إلا في حالة الضرورة القصوي ..كما غيرت في بعض الأسماء عن عمد... و اغفلت بعض الاسماء. وأشرت إلى وظائفهم وقد ذكرت أعمال القتال والنجاح والفشل بصراحة تامة مؤكدا أن المعرفة الحقيقية هو الأساس للتعليم والتطوير واكتساب الخبرات التي تفيد المستقبل وقد أشرت في قصتي إلى عدة بطولات قد أنجزت بواسطة مقاتلين من عدة تخصصات من المشاة ورجال الدبابات والصاعقة والقوات الجوية.... الخ... بعضهم أعرفهم بالاسم والبعض الأخر أعرفهم بأفعالهم.... إن حرب أكتوبر لا نستطيع إسناد فضلها فقط لهؤلاء القادة العظام الذين اتخذوا القرار بالحرب وعلي رأسهم الزعيم الراحل أنور السادات بل أن الفضل الأكبر للنصر وما تحقق من انجاز رائع فى هذه المعركه انما يعزى حقا لهؤلاء المقاتلين المغمورين الذي ضحوا بحياتهم وسعادتهم من أجل وطنهم..... الى هِِؤلاء الشباب المصريين من الفلاحيين و العمال و الموظفين و اولاد الذوات مسلمين و مسيحين .......ان نتيجه حرب اكتوبر و ثمرتها ما هى الا نتاج كل جهود هؤلاء و تضحياتهم ...... انك ايها القارىْ العزيز إذا قرأت الآن القصص عن بطولة وتضحية هؤلاء البسطاء..... لما استطعت أن تسلم بحجم التضحية... إلا لو شاركت في تجربة الحرب بشكل كامل ...... فإنك لن تستطيع إدراك ما معني أن تكون مهدداً بفقد حياتك بضعة أيام متتالية أو بضعة أشهر في كل دقيقة بل في كل ثانية........ لا نوم...... لا راحة لا وقت للنظافة....... بل أحياناً لا وقت للطعام.... يتنازعك شعور متباين من حبك لذاتك ومصلحتك الخاصة وماذا سوف يحدث لو فقدت حياتك من سيعول أولادك أو أمك وأخواتك وبالرغم من هذا فالكل يقاتل والكل يضحي ..... وأخيرا أهدي هذه القصة لشباب مصر أولاد المحاربين القدامى الشهداء والأحياء لمعرفة بطولة آبائهم وإخوتهم وتضحياتهم وقد رمزت لهم جميعا وتصرفات عصمت لعل الله يوفقني لنقل تلك الرسالة التي أهداف إليها من وراء هذه القصة والتي تتلخص في أن الحرب شيء كريه صعب ولكن هناك أحيانا ضرورة تحتم ذلك وأن قوة وعظمة الوطن ترتبط بالشباب وان علينا نحن إعداد أولادنا منذ الصغر علي تحمل كيف يكونوا رجالا يتحملون الصعاب وقادرين علي التضحية وأن كل إنجاز يجب أن يسبقه تخطيط وتنظيم جيد وتنسيق وإشراف مستمرة، وتقييم حقيقي أمين لنقاط قوتنا وضعفنا لتحسين الأداء في المستقبل وأخيرا فلنحسن اختيار الرجال المناسبين وأن نعمل على وضعهم في الأماكن المناسبة لهم فنجنى من جميل جهودهم أطيب الثمار.

  • حفظ الله لنا مصرنا الحبيبة الغالية،،، وجعلها درة بلاد العالم


  • لواء اركان حرب اورهان حماده





الفصل الأول

أف.. زفرة ضيق انطلقت وقد جلس الفتي ذو الأربعة والعشرين ربيعا والذي يدعي عصمت متأهبا في دبابته لمدة خمس ساعات علي أحرمن الجمر منتظرا العبور من ذلك المعبر الجاري في إنشائه في مكان قريب منه. وقد أخفي دبابته عن طائرات العدو تحت شجرة ضخمة وظن أن فروعها قد انحنت كي تخيفيه عن الأنظار. وقد أخذ يضرب ذبابة كانت تداعبه فضربها بالبيرق للمرة الثالثة بقوة مودعا بهذه الضربة كل ما يملك من قوة وكل ما يشعر به من ضيق وإحباط. فجأة انتبه علي صوت القذف المستمر لطائرات العدو بذخائره حديثة لم تعرف من قبل ورغم ذلك فرجال الدفاع الجوي يطلقون ألسنة نيرانهم بصفة مستمرة في صورة خطوط نيرانه مائلة في اتجاه الطائرات المغيرة وذلك لحماية وتغطية أعمال رجال سلاح المهندسين الأبطال في محاولاتهم المستميتة في إنشاء كوبري للعبور . أما رجال المدرعات أصحاب المهمات الصعبة وصاحب القصة وهو واحد منهم فقد جلسوا يتململون وكأنهم جالسون علي جمرة في انتظار اللحاق بإخوانهم من رجال المشاة الذين بدأوا العبور منذ حوالي خمس ساعات مستخدمين القوارب المطاطية والوسائل المبتكرة حاملين أسلحتهم الخفيفة وصواريخهم الصغيرة المضادة للدبابات. مخترقين بشجاعة فائقة تحصينات خط بارليف مندفعين إلى عمق النقط الحصينة لسرعة اكتساب أرض جديدة وتجهيزها لاستقبال الهجمات المضادة للعدو متعطشين إلى انضمام الدبابات لهم لمعاونتهم في معركة الهجمات المضادة تلك المعركة التي ستكون نقطة التوازن في اليوم الأول للقتال بل ستكون بداية المرحلة الحاسمة في أعمال القتال القادمة وكانت صورة أرض المعركة غاية في الروعة والعجب فهناك نيران من الأرض للأرض ....وانفجارات في كل مكان *** تتصاعد أعمدة اللهب من الدخان في كل مكان وصوت الرجال يدوي بزئير الأوامر العسكرية الصادرة بسرعة فتح النيران وإبطالها..... أو بتحريك مدفع لمربض تبادلي ... أو بطلب الإسعاف..... أو صفارات تنذر عن هجوم طائرات العدو.. كل هذا لم يكن ليشعر هذا الفتي بالقلق لأنه تأقلم علي هذه الأجواء.... وقد غمره إحساس للحظات أنه يشاهد أحد الأفلام الأمريكية المثيرة..... ولكن جم قلقة أن هناك من تأخر دورة في العبور كثيرا وهو يعلم علم اليقين أن هناك من هو في احتياج شديد إليه وإلى مجهوداته ونيران دباباته الثلاثة. بدلا من إضاعة الوقت والجهد في اصطياد تلك الذبابة اللعينة... *** انتباه ... جميع المحطات.... سيتم الآن العبور بالتسلسل المتفق عليه أولا يتم عبور محمود وعصمت. يجب استخدام أقصي قدره لدبابتكم في العبور حيث أن سلاح المهندسين قد قام بإنشاء الممر علي عجل محمود اتجه الآن نحو المعبر.. عصمت أحتل الساتر الترابي لتغطية عبور محمود كان الله معكما " انتهي " تلك كانت كلمات الإشارة اللاسلكية التي وصلت إلى عصمت وبدأ عقله يفكر في هذه الإشارة وقد استخلص منها أنه كانت هناك صعوبات كبيرة في إنشاء الكوبري في الوقت المحدد له وكذلك صعوبات فنية هذا إلى جانب وجود قتال أرض جوفي منطقة إنشاء المعبر ، أيضا فإن المشاة أصبحوا في حاجة ماسة للدبابات خاصة وأنهم يقاتلون بدون معاونة الدبابات منذ أكثر من ثمان ساعات . وقد تأكد أنهم سيجدون صعوبة كبيرة في الصعود فوق الساتر الترابي لعدم استكمال أعمال المهندسين في فتح ثغرة فيه ولكن كل هذا لا يهم ... ابتسم وتنهد ولسان حالة يقول حان وقت العمل... وتنفس الصعداء. .. هكذا تمتم وقد بدأ في توجيه السائق إلى مكان المناسب علي الساتر الترابي من الضفة الغربية الذي يصلح لحماية وتغطية الدبابة الأولى التي ستقوم بالعبور. وتحركت دبابة محمود إلى الكوبري حيث هبطت إلى حافة القناة وأخذت تتقدم ببطء إلى أن وصلت إلى أول برطوم من الكوبري حيث أبطأت الدبابة من سرعتها وفجأة دوي صوت في السماء فنظر عصمت فوجد طائرة ميج 17 مسرعة بعبور القناة بعد أن قامت بضرب الأهداف المخصصة لها شرق القناة وخلفها طائرة فانتوم 4 إسرائيلية تحاول إسقاطها من الخلف لقد كان المنظر يبدو كنسر كبير يحاول الانقضاض علي عصفورة صغيرة ... تعجب عصمت لهذا المنظر الغريب وأخذ يفكر في الطيار المصري و موقفه العصيب لقد كان الفاصل الزمني بين صناعة الفانتوم 4 والميج 17 ما يعادل ربع قرن من الزمان وفجأة لاحظ أن الطيار المصري ناور مناورة حادة لأسفل في شكل هبوط مفاجئ علي دبابة مصرية للطائرات ذات أربع مواسير وبالطبع هبطت الطائرة الإسرائيلية خلفه . لقد أدرك عصمت بالمقصود بهذه المناورة الماهرة فالطيار المصري يريد معاونة الدبابة ذات الأربع مواسير في إسقاط الفانتوم فعمل علي إدخالها في المدى المؤثر لمدافعها الأربعة . وفعلا فتحت الدبابة المضادة للطائرات نيرانها بسرعة فائقة بعد ميزات الطائرة المعادية فحاصرت خطوط النيران الطائرة المعادية فحاولت الطائرة الإسرائيلية الارتفاع لأعلي بسرعة بعد وقوعها في هذا الكمين العجيب الذي دفعت إليه . ولكن تم إصابتها بسرعة في مخزن الوقود وانفجرت علي الفور انفجار مروعا مخلفة شظايا هائلة خاصة وأن الطائرة كانت علي ارتفاع منخفض من سطح الأرض. ابتسم عصمت لهذه النتيجة ولذكاء هذا الطيار وسأل نفيه كيف لهذا الطيار أن ينجو بنفسه إن لم يجد هذا العون. وسارت دبابة محمود وأخذت تتحرك ببطء تاركة الكوبري واخذ محمود يتحرك أمام دبابته مؤشرا لها بيده في حركات وإشارات معروفة بينه وبين السائق كل هذا كان تحت مراقبة عصمت من الضفة الغربية للقناة الذي وضع نظارة ميدان علي عينه وأخذ يراقب عملية التقدم وتسلق دبابة محمود الساتر الترابي. لقد لاحظت عصمت بأن الدبابة تتقدم ببطء شديد وأنها تخلف ورائها ستارة هائلة من الدخان الذي يدل علي إجهاد ماكينة الدبابة وأن الممر بالساتر الترابي غير ممهد تماما وأن جهد الدبابة غير كافي مع زاوية ميل الممر. وقد أكد ذلك توقف الدبابة أكثر من مرة... وفجأة وبوصول الدبابة إلى منتصف الممر توقفت ثم انزلقت للخلف بسرعة تاركة الممر ثم سقطت بسرعة عجيبة إلى قناة السويس وهكذا فقدت أول دبابة في محاولة العبور .. تحرك عصمت إلى نقطة التحميل وأخذ يؤشر لدبابته حتى نجح في إركابها البرطوم ثم ركب دبابته وأمر السائق بالتحرك ببطء ولكن فجأة ............... أهتز ........ اهتز البرطوم بشدة مؤرجحا الدبابة التي فوقه مع صوت انفجار مروع قريب بالماء حيث تطاير الماء بشدة في جميع الاتجاهات مبللا وجه عصمت الراكب بأعلى فتحة دبابته كالنمر اليقظ حرك رأسه بسرعة ليعرف سبب هذا الانفجار المروع حيث توقف نظره علي دبابتين إسرائيليتين محتلتين للساتر الترابي الشرقي للقناه وعلي مسافة ثلاثمائة متر . وكان مع وصول الدبابتين لهذا المكان أنها قد نجحت في اختراق خطوط أبطالنا المشاة وأنها تحاول إيقاف عبور معداتنا وأسلحتنا الثقيلة بضرب البراطيم التي يشكل منها الكوبري. لقد كان في موقف لا يحسد عليه لأنه لا يستطيع الاشتباك مع هاتين الدبابتين لأنه لو أطلق قذيفة واحدة من دباباته فإنها سوف تنزلق من علي البرطوم إلى قاع الأم برد فعل الرمي لفد كان حل هذا الموقف ليس بيده وذلك هو الشئ العصيب ... وانتظر الطلقة الثانية التي فيها الشهادة له ولطاقمه ولكنها لم تطلق !!!! فتعجب ووضع نظارة ميدان علي عينه ليتبين الموقف لقد وجد أبطالنا المشاة وقد اعتلوا دبابات العدو فاتحين فتحاتها يطعنون أطقم دبابات العدو بالسناكي . وقد سيطروا علي الموقف تماما بل أنهم أخذوا يلوحون له ببنادقهم بعلامة النصر التي تدل علي أنهم نفذوا المهمة تماما وأن عليه أن يستكمل عبوره في سلام آمن. ولكن ما كان يجول بخاطر عصمت هو أنه كيف لم يستطع دبابة العدو أن تصيبه وهو علي مسافة قصيرة جداً ورغم أنها مزودة بمقياس مسافة يعمل بأشعة الليزر. وأخيرا وصل إلى الضفة الشرقية وأخذ أفراد المهندسين العسكريون يلوحون باتجاه الممر حيث قذف عصمت من علي دباباته إلى أرص الشاطئ وأشار إلى السائق بالتحرك ببطء تاركا البرطوم ... وتحركت الدبابة بحذر من علي البرطوم إلى الساتر الترابي وهنا أشار عصمت إلى السائق بالتوقف لقد قرر أن يقود الصراع بنفسه بين الدبابة وعوائق الأرض . ركب عصمت الدبابة جالسا علي كرسي السائق وأمر سائقه أن يساعده بأن يقف أمام الدبابة ويؤشر له في الاتجاهات التي تصلح له في التحرك ووضع عصا السرعة علي الترس الأول وبدأ يتحرك ببطء صاعدا للساتر الترابي وأخذ يضغط علي دواسة الوقود لأقصي حد ممكن لكي تزداد قوة الدبابة للصعود لقد كان يشعر أن جنزير الدبابة يدور منزلقا علي الأرض بدون حقيقة للدبابة وكان ذلك ناتجا عن الميل الحاد للأرض وعلي طبيعة التربة المتكونة من الرمال والمياه المغمورة بها الممر. لقد كانت قدماه في ضغطه علي دواسة الوقود حساسة للغاية فبالرغم أنه كان كثيرا ما يضغط لأقصي حد إلا أنه كثيرا ما كان يخفض الضغط فجأة لقد كان الحكم له صوت ماكينة الدبابة. وفجأة توقفت الدبابة تماما وأحس بخبرته أن تحريكا جديداً سوف يجعل الدبابة الغارقة. إنه الأن عليه أن يقرر قرارا جديداً للتغلب علي هذه المشكلة فإن أقصي جهد حصل عليه نم ماكينة الدبابة باختياره للسرعة الأولي وإنه يجب أن يضيف جهداً جديداً تدريجياً للدبابة وأنه سيأخذ هذا الجهد يجذب عصا القيادة للمنتصف إن ذلك الجهد الخارج من أجهزة نقل الحركة قد يساعد الدبابة علي التحرك والصعود ولكنه في نفس الوقت قد يدمر ماكينة الدبابة تماما ولم لا !!! فتدمير الدبابة أفضل من فقد الدبابة بالكامل وعليه أن يجرب وليس أمامه خيار .... أخذ يحرك عصا القيادة للخلف ببطء وببراعة فائقة بضغط علي دواسة الوقود ببطء مع الإصغاء التام لصوت المحرك وبدأت الدبابة في التحرك ببطء صاعدة لأعلي .... إلى أن وصل للقمة ثم أخذ يهبط مرة أخري للجانب الأخر من الساتر الترابي وهو يشعر بشعور غامر بالرضي والتفوق. ثم ضغط علي ريشة جهاز اللاسلكي مبلغا بأنه تم عبوره وبأن علي جميع الدبابات استقبال إرشادات وخبرته للعبور والتي سوف يلقيها ويختتم إرشاداته بكلمة.. الله أكبر.. واندفع بدبابته داخل سيناء كالأسد الجائع الباحث عن فريسته وأخذ يتقدم بسرعة عالية لقد كانت الأوامر الصريحة له ببساطة أن يتقدم ويدعم المشاة علي الخط الأول.... إذن فعليه أن يبحث عن المشاة ويحدد مكانهم بدقة ثم ينضم إليهم بعد اختيار الأماكن المناسبة لدباباته للمراقبة والرمي. وأخذ يجول بنظرة في كل اتجاه باحثا عن أي فرد من المشاة فلم يجد بين الحين والحين يسأل سائق دبابته عن المسافة التي قطعت فيبلغه السائق خمسمائة متر ... كيلوا متران ......... كيلوا متران وثمانمائة ... وفجأة لاحظ تحرك شيء غامض صغير في الرمال للأمر سائقه بالتوجه إليه وبوصوله وجد عريفاًَ قائد جماعة مشاة ومعه جندي يتلقى التعليمات منه وهما منبطحين فنادي عليهما عصمت مستفسراً عن مكان وجود قيادتهما وعن وجود أي قوات في الأمام فأجابه العريف بأن هذا هو الحد الأمامي للدفاع وأشار إلى مركز قيادة المنطقة. ثم حصر عصمت الدبابات خلفه التي تمكنت من العبور فوجدها فوجدها 12 دبابة حيث أخذ يوجهها لاحتلال مرابض النيران علي الحد الأمامي للدفاع آمرا أباهم يبدأ الحفر وإجراء أعمال الإخفاء والتمويه وكانت لحظة عظيمة عندما بدأت الدبابات في احتلال مرابضها الجديدة وخروج أفراد المشاة من خنادقهم الصغيرة المبتكرة حيث أحاطوا برجال الدبابات وأمطروهم بوابل من العناق والقبلات واختلطت دموع الفرح بدموع الفخر وكان الأمر الغريب حقا أن رجال المشاة الأبطال قد تناسوا حجم المجهود العظيم الذي بذلوه وقاموا بمساعدة رجال الدبابات في حفر الدبابات دون أن تتطلب منهم . ذلك ضاربين بذلك أروع مثل للتضحية والفداء. لقد كان هؤلاء الرجال هم أحفاد بناة الأهرام بحق. *** .. طلقات إشارة حمراء أخذت تنطلق مع صفارة متقطعة .. لقد كانت الإشارات المرسلة من نقطة المراقبة الأمامية التي تنذر عن بدء تحرك العدو واقترابه من الحد الأمامي للدفاع .. أخذ الجميع يهرولون إلى أماكنهم القتالية فالمشاة قفزوا في حفرهم خلف أسلحتهم وتم اختفائهم في الأرض تماما وأخذوا ينظمون وضع أسلحتهم علي المتاريس وتكدبس الذخائر بجانبهم أما رجال الدبابات فقد قفزوا إلي دباباتهم متخذين أوضاعهم القتالية . أما عصمت فقد بدأ يأكل بسكويت علبة تعيين القتال والذي يسمونه في الجيش خشب بسكو لشدة صلابته والذي عادة لا يستخدمه أحد إلا عندما يكون في أشد حالات الجوع وكانت هذه في الحقيقة حالته.. ثم رمي الطاقية من علي رأسه ووضع هلمد الدبابة ( غطاء واقي للرأس موصل به أجهزة الاتصال ) وأوصله بجهاز اللاسلكي وأخذ ينادي علي دبابته للتأكد من استعدادها للقتال . أخذت كل دبابة تعطي تمام الاستعداد الواحدة تلوا الأخرى... أخيرا صاح باللاسلكي مداعباً.. يا قادة الدبابات هناك ضيوف أعزاء قادمون أرجو أن تعاملهم بمال يستحقون وشكراً ... لقد كان دائم التهريج حتى في أشد لحظات حياته حرجاً .أخذت أعمدة الغبار وأتربة تتصاعد من اتجاه الشرق وعلي مسافة عدة كيلوا مترات .... وكان ذلك ناتجا طبيعيا من تحرك قوة مدرعة إسرائيلية مشكلة من الدبابات والعربات المدرعة ذات الجنزير لقد كانت الجنازير المتحركة تأكل في التربة ثم تقذف بذرات الرمال إلى أعلي وكلما ذادت سرعة المركبات ذات الجنزير كلما اشتدت الأتربة ارتفاعا ووضوحا لقد كان حجم الغبار كبيرا مما يدل علي أن القوة المهاجمة ستكون كبيرة العدد أنها مدعمة تدعيما جيداً . ثم بعد قليل بدأت تظهر نقطة خضراء متحركة وخلفها الغبار لقد كانت النقط الخضراء تسير في هيئة سلاسل أو كما يسميها المقاتلون أرتال ثم بدأت الدبابات في الفتح وتشكيل الأرتال إلى تشكيل القتال الخطي حيث أخذت تواجه قواتنا من علي مسافة 6 كيلوا مترات ثم بدأ الغبار يخف إلى أن توقف ... فقد توقفت الدبابات الإسرائيلية قد دخلت مواقع هجومها استعداد للهجوم وأنهم كالذئاب الجائعة يوزعون الضحية كما يعتقدون علي دبابتهم ... أنهم الآن يحددون أهداف هجومهم وقطاع الاختراق الضيق الذي سيركزون هجومهم عليه أليس ذلك هو أسلوب قتال الجيش الألماني النازي الذي اقتبسوا أسلوب قتالهم... أنهم بغبائهم يظنون أن هذا الأسلوب الذي نجحوا في تطبيقه في عام 1967 سينجحون في تطبيقه في عام 1973 متناسين أن المقاتلين المصريين قد تعلموا الكثير... بل تعلموا منهم !!! ولاحظ عصمت أيضاً تحرك دبابتين تحركاً عرضيا بطول المواجهة علي خط الجبهة ولقد استنتج أن بداخل الدبابتين القائد الإسرائيلي وهيئة قيادته أنهم الآن يستطلعون ويحددون المكان الذي سيتم اختراقه علي الأرض بل أن عصمت استطاع بسهولة أن يميز المكان الذي سيحاولون اختراقه أنه في تلك الأرض السهلة المنبسطة بين التباب والتي ظلت الدبابتان الاسرائليتان فترة كبيرة من الزمن تراقبه وتستطلعه ذلك المكان التي توقعه قائده قبل ساعات من أوامر قتاله ومن أجل ذلك كثف الأسلحة المضادة للدبابات وكذا احتفظ باحتياط قوي لمواجهة هذا الموقف لقد شعر عصمت بالفخر والاعتزاز بقائده لأنه تنبأ بما سيحدث تنبأً دقيقاً. بدأت بطاريات المدفعية الإسرائيلية تقذف قواتنا في شكل تركيز النيران علي قطاعات محددة من الأرض وقد ميز عصمت استخدام المدفعية ذات الأعيرة الكبيرة 175م والتي يسميها المقاتلون ( بأبو جاموس ) وكان السبب في هذه التسمية أن الطلقة من هذا النوع يستغرق سيرها في الفضاء ربع دقيقة أو أكثر نظرأ لأنها تطير عدة كيلوا مترات وعند اختراقها السريع للهواء فإنها تصنع صوتا كالصياح الجاموس . ثم بدأت تظهر علي مسافة 4 كيلوا متر فأقل الدبابات الإسرائيلية والتي أمكن تميزها بأجهزة التكبير .. لقد كانت تلك الدبابات تسير بسرعة عالية وبثقة زائدة في اتجاه قواتنا .. أنها تظن أنها في نزهة قصيرة ، وفجأة انطلق مقذوفتان من اتجاه قواتنا من تلك المقذوفات الموجهة التي أخذت تطير بحذاء سطح الأرض ثم في لحظة اصطدمت بدبابتين إسرائيليتين حيث أصابتهما في الحال لقد كان ذلك إعلانا عن بدء أعمال القتال هلل المشاة المصريين ... الله أكبر .. الله أكبر برغم من سقوط عشرات القذائف فوق رؤوسهم عند مشاهدتهم لإصابة الدبابتين علي هذه المسافة الكبيرة أام الدبابات الإسرائيلية فظهر بوضوح أنها قللت من سرعتها بل إنها في حالة رعب شديد ثم أمر عصمت بفتح نيران الدبابات كل طبقا للهدف المخصص له ... وهنا زال الخوف والرهبة التي كان يعيش فبها فإن أصعب اللحظات في المعركة ليس في المعركة نفسها بل في وقت الإنتظار قبل المعركة حيث أن المقاتل عادة ينشغل في القتال تلقائيا يحاول تدمير عدوه في أسرع وقت ويتناسي أن حياته مهددة . ***** يمين .... أبطأ.... الهدف دبابة متقدمة.... تميز .... أضرب.... الضرب.... تمام يا أفندم تم إصابة الهدف ... لقد كانت تلك الأوامر والتعليمات المتداولة داخل دبابة عصمت عند إطلاق مدفع دبابته وإرتداده للخلف وانبعاث الغارات والأتربة وصوت الانفجار المدوي داخل الدبابة لقد كانت تلك المظاهر في ظروف التدريب العادية قلقة توعدو للحذر ... فإن وضع أي فرد خطأ في داخل الدبابة قد يفقد حياته أو طرفه ... أما الأن وفي ظروف القتال السريعة والمتغيرة بالتدريب الجيد المسبق أصبحت أطقم الدبابات تعمل بطريقة غريزية عفوية .... كأنهم يتناولون طعامهم لقد أصبح رجال الدبابات المصرية محترفين يجيدون عملهم لا شك في ذلك . وفي خلال أقل من خمس دقائق نجحت فصيلة عصمت في تدمير دبابتين إسرائيليتين بسهولة تلك الدبابتين اللتين حاولتا التقدم في مواجهته لذا فقد قام بإعطاء أوامر جديدة بمساعدة جارة بالنيران .... ولم يمضي إلا قليل وبدأت الدبابات الإسرائيلية في قذف الدخان لإخفاء أنفسهم والارتداد للخلف تاركين خلفهم 11 دبابة و7 عربات مجنزرة مدمرة تدميرا تاما ... لقد تركوا ساحة المعركة يجرون أزيال الخيبة بعد أن دخلوها بالثقة الزائدة في معركة لم تدم إلا ساعة ونصف الساعة ( وكما قال الجنرال موشي ديان في مذكراته عن حرب أكتوبر أن أول مفاجأة للحرب كانت دبابات التعاون الوثيق المصرية التي عملت مع المشاة ) .

 

الفصل الثانى


أخذت عصمت يحتسي الشاي كعب الزمزمية بشغف لقد كانت رشفة من رشفات الشاي حلوة المذاق ذات تأثير كبير ومنشط وأخذ يسأل نفسه لماذا هذا الشاي غير عادي هل لأنه لم يتناول هذا الشاي منذ فترة أم لأن سائق دبابته قد نظف علبة صاج من المعلبات ثم ربطها بسلك ثم قام بتسخين مياه بالعلبة مستخدما عشب الصحراء كوقود فالأرجح أن الشاي ألتقط رائحة الدخان المنبعثة من العشب فأدخل عنصرا جديداً علي النكهة ... ولقد كان في حالة مزاجية رائعة سعيداً ولم لا وقد نجح هو وأقرانه في صد ثلاثة هجمات معادية أحدثت في العدو خسائر فادحة ولم تحث له ولا لجنوده أي خسائر تذكر ... بل أنه بلا عمل تقريبا منذ أربعة وعشرون ساعة كاملة ...فحتي الغارات الجوية قد بعدت عنه فلا تزال الطائرات الاسرائيلية تركز هجمات علي المعابر وتتساقط بكثرة مما يؤكد نجاح الدفاع الجوي المصري في السيطرة علي منطقة المعابر و أن القوات المصرية مستمرة في التدفق للشرق .... *** سأل الجندي مراد ذلك الجندي حديث الخدمة الحاصل علي بكالوريوس التجارة قائده عصمت لماذا لا تحس بالخوف مثلنا ؟ فأجابه عصمت متعجبا ومن الذي لا يخاف !!! فرد الجندي لقد ظننت أنك لاتخاف أبداً .. أنني راقبتك أثناء قتالك أنك تقاتل كأنك تمارس عملا يوميا بأعصاب عادية وبلا انفعال بل إنك أحياناً تضحك وتسخر من أفعال بعض الجنود الذين لا يتقنون عملهم من إنفعالهم ومنهم أنا شخصيا لقد اعتقدت في النهاية أنك لا تخاف أبداً فأنت شجاع للغاية فأجابه عصمت يالك من أحمق إنني أخاف مثلك تماما ولكني مدرب علي إخفاء الخوف بخبرتي .. يامراد إن الخوف والشجاعة نسبيتان متلازمتين فلا شجاعة لا يسبقها خوف فالشجاع هو الذي يحس بالخوف وبالرغم من ذلك يتغلب عليه ويسيطر علي نفسه ويتصرف التصرف السليم أما الجبان فهو لا يستطيع السيطرة علي نفسه ويتصرف التصرف الخاطئ أما الإنسان الذي يحس بالخوف فهو الإنسان المجنون الفاقد الأهلية يامرادإذا أردت أن تكون رجلا شجاعا فدرب نفسك علي إخفاء الخوف ودرب نفسك علي التصرف السليم في ظروف الشدة ... قطع حديثهما تدخل جندي المراسلة الذي أخبر عصمت بأن قائده الأعلى يريده في مركز قيادته علي وجه السرعة ... لقد أحس عصمت أن وقت الراحة قد انتهي وأن عليه أن يتلقي مهمة جديدة بمركز القيادة . هرول عصمت إلى مركز القيادة لمقابلة قائده ... لقد جري العرف علي ان يتلقي المهام القتالية من قائده المباشر أما يتلقي المهمة من قائده الأعلي بالمنطقة الدفاعية فيعني ذلك أنه سيتلقي مهمة جديدة متميز تحتاج إلى تقدير جيد للموقف وتحتاج إلى دراسة متفتحة ولهذا استدعي . دخل عصمت إلي مركز القيادة الذي كان عبارة ملجأ سريع الإنشاء تحت الأرض وكان الملجأ مكون من حجرة واحدة واسعة وبها فتحة واحدة لدخول الأفراد وفتحة أخري للتهوية ... وكان بالملجأ منضدة مثبت عليها خريطة وفي وضع أفقي بواسطة دبابيس وبجانب الخريطة وضع مصباح لإنارة الخريطة كما يوجد في أخر الملجأ سرير سفري وكرسي واحد يستخدمه القائد وبجانبهم علي الحائط معلق بندقية القائد وخوذته ونضارة ميدانية .. لقد كان القائد برتبة عقيد قائداً لكتيبة مشاة وفي الحقيقة لقد كان ذلك أول لقاء بين عصمت وبين هذا القائد فقد انضم عصمت لمعونته وكان يتم تبادل المعلومات والأوامر إما باستخدام التليفون الميداني أوبالا سلكي أو عن طريق السعاة . إلا أنهما قد فهم كل منهما الآخر فهما جيدا مبني علي الثقة بالرغم من أنهم من رجال سلاحين مختلفين ولم يروا بعضا وعلاوة علي كل منهما كان شجاعا وذكيا يجيد التنبؤ بأحداث المعركة ...لقد راقب العقيد القائد عصمت أثناء قتاله لقد وجده رابط الجأش في أشد لحظات المعركة صعوبة يتصرف كمحترف ووجد كل تصرفاته ذكاء وحسن تصرف وكان متشوقا لرؤيته . وها قد حان الوقت لرؤيته ... ألتفت القائد عند سماعه لصوت خطوات عصمت وهو يدخل الملجأ . وقد منكبا علي وجه خريطته في ذهنه تعليمات وأوامر المهمة الجديدة ونظر إلى عصمت متفحصا .. ولكن عاجله عصمت بتقديم نفسه النقيب عصمت قائد الفصيلة الثانية دبابات يا أفندم فأجابه قائده ومن الذي لا يعرفك ... يا عصمت ... فضحك عصمت تلقائياً. أخذ كب من الرجلين ينظران بعضهما باحترام وترقب لقد كان شكلهما مختلفا من ناحية المظهر الخارجي فعصمت كان أبيض اللون طويلا رشيق القوام من تأثير إسرافه في لعب التنس ذو عينين عسليتين وشعر أصفر غامق. وعموما من ينظر إليه من أول وهلة يتخيل أنه من أبناء الذوات المرفهين الذين ولدوا بملاعق من ذهب . ولكن عندما يتكلم يظهر صوته الرجولي الحازم ثم سريعا ما يتغير الانطباع الأول إلى انطباع معاكس تماما , أما القائد فقد كان أسمر اللون قصير القامة عريض الكتفين ذو صلعة دائرية وقد ظهر علي جانبيها الشعر الأبيض الكثيف بالرغم من أنه سنه أصغر من أن يكون شعر رأسه أبيض بهذه الكثافة قال القائد فلنستغل هذا الوقت قبل مجئ باقي الضباط لمعرفة المهمة الجديدة خاصة وأنك ستعلب فيها دورا هاما .. وبدأ يلقن عصمت مهمته الجديدة ودوره بها .... انطلق عصمت بدبابته للأمام بمجموعته من دبابتين ومركبتين ذات جنزير تحملان 30 جنديا من المشاة لقد كان مدفوعا للعمل كعنصر استطلاع مقاتل أمام كتيبة مشاة قد كلفت بمهاجمة نقطة حصينة تسيطر علي البحيرات المرة بقناة السويس ونظراً لقوة النقطة الحصينة التي تشمل علي عدة دشم للمدافع ول الدبابات والرشاشات ونظراً لأنه يصعب مهاجمته من الأمام فقد كان تفكير القيادة العليا هو أن يتوقف الهجوم علي هذه النقطة الحصينة في اليوم الأول ومن العبور وباستغلال نجاح سقوط النقطة الحصينة علي أجنابها يتم مهاجمتها في اليوم التالي ومن الخلف... ومن هنا كانت مهمة عصمت ومجموعته هي استطلاع وتأمين طريق تحرك المجموعة المقاتلة المكلفة بمهاجمة النقطة القوية ومشاركتها في الهجوم ... وبالرغم من صعوبة المهمة الملقاة علي عاتقه لأنه سيتحرك في أرض معادية قد يوجد بها كمائن للعدو أو حقول ألغام مخفاه فأنه اندفع بمجموعته بحماس مقسما مجموعته إلى قسمين قسم يندفع لإجراء الاستطلاع وقسم أخر يقوم بحماية القسم المتحرك .. أخذ عصمت يتقدم بسرعة فائقة هو قادته ومن تبة لأخرى وعند وصوله لكل تبة فأنه إما يحاول صعود التبة الدبابة أو علي أرجله ليري من الأعلى لأكبر مسافة ممكنة وحتى يمكن اكتشاف كمائن العدو في المكان الوقت المناسب .. وأخيرا قد استلفت نظرة هضبة عظيمة الارتفاع علي طريق تحركه تصلح للمراقبة الجيدة فأمر سائقه بالتوجه إليها.. والتوقف أسفلها . و فقز عصمت من دبابته متسلقا للهضبة التي كان يصعب صعودها بالدبابة.. وعند انتهائه من صعودها أحس بالإرهاق لإرتفاع الهضبة وصعوده السريع بدون راحة ومع هذا فإنه تحرك بسرعة أعلي الهضبة وفي إتجاه تحركه المنتظر وأخذ ينظر تارة باستخدام العين المجردة وتارة أخري باستخدام نظارة الميدان وفجأة سمع صوتا غريبا لإدارة محرك للبنزين !!! إن محركات دباباته وعربات المدرعة ذات الجنزير تعمل بمحركات ديزل ولكن هذا المحرك البنزيني لم يسبق له سماعه من قبل وبالفطنة عرف أنه قريب جداً من العدو أنه علي بعد أمتار منه وبالرغم من أنه مسلح فقط بمسدسه وأن قواته أسفل التبة لا تسطيع حمايته فأنه تقدم بسرعة إلى حافة الهضبة ... حيث وجد عربيتين مدرعتين إسرائيليتين من عربات الاستطلاع ذات البرج المسلح بمدافع 95مم وكذا برشاشات تحاولان الفرار السريع .. وفي لحظة أدرك الموقف جيداً لقد كانت العربتان تقومان بالإستطلاع من أعلي هذه الهضبة قبل مجيئه لقد كان في الواقع محتلين الهضبة ورأوه هو يصعد الهضبة وبالرغم من أنهم كانوا يستطيعون قتله بسهولة ومفاجأة قواته إلا أنهم فضلوا الفرار وعدم الكشف عن مكانهم .. أخذ عصمت يقفز سريعا للنزول من الهضبة صائحاَ في جنوده بوجود خلف الهضبة ولكن لكثرة صياحه وحماسته وسرعة ترديده الكلمات كان له أكبر الأثر في عدم إلمام قادته المرؤوسين بمضمون الإشارة ... وهذا مكن العدو من كسب مسافة 2 كيلوا متر هربا ... ولكن سرعان ما بدأت المطاردة وكان هذا أول خطأ وقع فيه عصمت منذ أن بدأت الحرب . اندفع عصمت ومجموعته خلف العربيتين الإسرائيليتين كالذئب الجائع ناسيا أنه لايجب ألا يحيد عن طريق تحركه المكلف بتأمينه ... لقد وجه كل اهتمامه نحو اصطياد وتدمير عربات العدو ... وسرعان ما غرزت احدي العربات بالرمال الناعمة خاصة وأن سائق العربة الإسرائيلي من شدة خوفه لم يستطع تمييز الأرض التي تحرك في اتجاهها ... وهنا أمر عصمت دبابته بالتوقف والتنشين بدقة علي العربة حيث أمكن بسهولة من إصابتها من أول طلقة في نقطة الاتصال بين البرج والجسم مما أدي إلى انفجارها السريع وانفصال البرج عن الجسم وبالطبع لم ينج أحد ... أما العربة الأخرى فقد فرت سريعا مستغلة خفة حركة العربة وسرعتها بالمقارنة بالدبابة التي تطاردها ... ولكن ما استدعي انتباه عصمت أن القائد الإسرائيلي لم يحاول قتاله مطلقا بالرغم من تسليحه الجيد وأنه كان في مقدوره إدارة برج عربته للخلف وإطلاق النيران ولكنه ركز علي الفرار . ارتفعت علامة القلق يوجه عصمت عندما اكتشف أن جميع الدبابات وليس دبابته فقط لا تحقق الاتصال باللاسلكي بقيادته الأعلى وكان هذا هو اكتشافه الثاني لأن اكتشافه الأول كان أنه هو وقواته فقدوا اتجاههم أثناء مطاردته لدورية العدو وأنه قد انحرف شرقا بمسافة كبيرة لا تقل عن عشرة كيلوا مترات عن طريق التحرك المحدد له ... فك أزرار سترته وجذب الخريطة من صدره وحاول قراءتها وتحديد مكانه بدقة ولكنه فشل في ذلك لعدم وجود علامات بارزة بالأرض تساعده في تحديد محله . وأخذ يفكر كيف يحل هذه المشكلة بسرعة لأن مهمته الأصلية تطلب منه الانضمام إلى القوة الرئيسية والمشاركة في الهجوم علي النقطة القوية .. وقد حان توقيت الهجوم ... وأخيراً وجد أن أفضل حل هو أن يغير اتجاهه إلى الغرب وأن يحاول الارتكاز علي الهضاب والتباب العالية للتعرف علي مكان قواته الرئيسية أو مكان العدو . فأصدر أوامره بأن سيتحرك من تبة أو هضبة لأخرى وعلي باقي قواته أن تسير خلفه بمسافة كيلوا متر .... وأخذ يتحرك من تبة لأخرى مستطلعا أي قوات للعدو ولكنه لم يرا شيئا ... غير تباب الرمال وكدي الحشائش الجافة بالوديان ... ولا حتى آثار لحياة سابقة أو حالية ... وفجأة سمع ضربا شديداً للمدفعية يتخلله إطلاق نيران مدافع دبابات من اتجاه الشمال الغربي . وعند ذلك وجه نظره لاتجاه الشمال الغربي فميز هضبة كبيرة مرتفعة فأصدر الأمر لسائق دبابته بالاتجاه فورا إليها .. وكذا أعطي أوامره لباقي القوة باللحاق به . اندفع بدبابته لاحتلال أعلي الهضبة وبعد إيقافه لدبابته ميز غباراً لإطلاق نيران من مدافع وسريعا ما وضع نظارة الميدان علي عينيه وأخذ يراقب ويكتشف الأسلحة التي تقوم بالرمي وعلي من تقوم بالرمي وسرعان ما ألم بالموقف .... لقد كان موقفا غريبا حرجاً ومزعجاً .. لقد كانت كتيبة المشاة التي هو مسئول عنها معاونتها تصطف علي الخط الذي ستبدأ منه الهجوم ويظهر في تشكيلها 7 دبابات وهي باقي سريته وذلك علي خط خلف النقطة الحصينة حيث تقوم المدفعية المصرية بضرب النقط القوية ولكن الغرابة في الموضوع أن خلف الكتيبة بمسافة 2.5 كيلوا متر تحتل 6 دبابات إسرائيلية مرابض نيران جيدة التجهيز علاوة علي عربات مدرعة عربات أخذت تقذف بالصواريخ الموجهة علي الكتيبة المشاة المصرية من الخلف وكما يبدو فإن كتيبة المشاة المصرية من الخلف وكما يبدو فإن الكتيبة المشاة المصرية لم تستطيع تحديد اتجاه الرمي لأن معظم القوات كانت تظن أن الرمي من الأمام من إتجاه النقط الحصينة وليس من الخلف ... لقد كان تركيز قائد الكتيبة المشاة علي النقط الحصينة وعلي أهمية مهاجمتها بسرعة ... لقد كان أمام عصمت خياران لا ثالث لهما وهما أما أن ينضم سريعا إلى قواته التي علي مسافة 5 كيلوا مترات ثم سيحاول إبلاغها بالموقف وهذا سيحتاج إلى حوالي من 30 إلى 40 دقيقة ستتكبد فيها القوات المصرية خسائر عالية خاصة وأن قوات العدو في وضع جيد ومخفي تماما وإما أن يقوم باحتلال خط مناسب للاشتباك مع العدو وجذبه في اتجاهه . حتى ينجح الهجوم الرئيسي في الهجوم علي النقط الحصينة وفي هذا الحل مخاطرة كبيرة له للقوات التي معه حيث أن العدو يتفوق عليه في الدبابات ومسلح جيداً بالصواريخ الموجهة المضادة للدبابات وفي لحظات اتخذ القرار الذي يراه مناسبا وهو الحل الثاني بعد أن وضع خطة جهنمية للتعامل مع العدو . لقد كانت خطته ببساطة تتلخص في الآتي .. جذب أنظار العدو في اتجاهها يقوم بواسطة الدبابتين بالتقدم واحتلال خط مناسب يستطيع منه ضرب العدو من جنبه ولقد كانت المشكلة في هذه الخطة أنه يجب أن يوهم العدو بأن القوة التي تقوم بالتفاف عليه كبيرة وليست عربيتين مدرعتين لذا أمر العربات المدرعة بالتحرك بفاصل 500 متر علي أن تجر كل عربة حلقتين من سلك الكنسرتينا خلف العربات حتى يتم خروج كمية كبيرة من الأتربة من خلف العربتين فتوهم العدو أن هناك تل كبير من الدبابات تقوم بالالتفاف وللنجاح في تنفيذ ذلك أخذ يحدد بدقة طريق تحرك العربتين للوصول إلى جانب العدو وشدد علي أن لا تظهر العربات للعدو إنما يظهر فقط الأتربة الكثيفة المتصاعدة .. ثم أصدر أمرا بتنفيذ الخداع أولا بعد أن لقن الجميع بمهامهم ... فتحركت العربات بسرعة عالية جاذبة الأسلاك الشائكة خلفها ... وعمل عصمت كالمخرج السينمائي الذي يبذل كل الجهد لظهور الفيلم بصورة مشرفة حيث أمر العربات بزيادة سرعتها ... ثم أمرهما بالتحرك بطريقة الزجزاج حتى تفت جنازير العربات الأرض جيداً وتتصاعد سحب الغبار بكثافة عالية خلفهما ... وسرعان ما جذب التحرك الخداعي أنظار العدو ... حيث قاموا بتحريك مدافع دبابتهم في اتجاه قوة الالتفاف الخداعي ... وبالطبع رفعوا نيران دباباتهم علي القوة التي تقوم بالهجوم علي النقط الحصينة ... عجب عصمت لنجاحه البالغ في خداع العدو بهذه البساطة وأدرك أن العدو أهمية كبيرة للقوة التي تقوم بالالتفاف خاصة وأنها قريبة منه ... هنا أصدر أمره للدبابة الأخرى بالتقدم الفوري واحتلال هضبة مناسبة للرمي علي العدو ... لم يمر سوى عشرين دقيقة منذ فتح عصمت نيران دبابته إلا وقد أصاب أحد دبابات العدو في مقتل حيث انفجرت سريعا مخلفة ورائها سحابة كبيرة من الدخان الأسود هذا بالرغم من أنها كانت في داخل حفرة مجهزة جيداً وبالرغم من أن الجزء الظاهر منها لم يتعد سوي البرج . وأخيرا أدرك العدو أنه خدع وأن الالتفاف وهمي وركز كل نيرانه وصواريخه علي الدبابتين ... وهنا أصدر عصمت أوامره للدبابات بالرمي من أعلي التبه ثم الاختفاء السريع خلفها ثم إعادة التعمير من أسفل التبة ثم الرمي من أعلي التبة وهكذا لقد كان يهدف أساساً إلى تعرض الدبابات أقل فترة ممكنة ... وفي نفس الوقت جذب نيران العدو في اتجاهه لمنعها من التعامل مع القوة الرئيسية ... لقد كان يبارز مارداً جباراً ... وكان أخطر الأخطار التي تواجه الدبابات تلك الصواريخ الموجهة التي يتم إطلاقها من ثلاث عربات داخل حفر ... لقد كان الصاروخ ينطلق ككرة اللهب تير بحذاء الأرض ثم ترتفع وتنخفض طبقا لتوجيه الرامي ... كثيرا منها ما كان يصطدم بالأرض لأنه عند وصوله للهدف أن يجد الدبابة قد نزلت خلف التبة ... ولكنها أخيرا نجحت في إصابة إحدى دبابات عصمت يحاول أن يعرف من نجا منها حيث وجد بعد انقشاع الدخان أن قائد الدبابة هو الوحيد الذي نجا .... حيث قفز من الدبابة في الوقت المناسب ... ولكن كان منظره باعثا علي الضحك بالرغم من هول الموقف فعند قفزه من أعلي الدبابة سقط علي ظهره فأخذ يحرك أرجله وأذرعه بطريقة عشوائية سريعة تدل علي عدم إدراكه كالخنفساء التي انقلبت علي ظهرها وتحاول تعديل وضعها بتحريك أرجلها ... لقد كان مخه لا يعمل من شدة الفزع والرعب الذي رأه في صورة زملاءه الذين حرقوا والنيران التي لسعته والدخان الذي خنقه والمصير الذي كان يمكن أن يؤول إليه منذ ثواني مضت ثم صاح عصمت مناديا بعد أن وجده يسير علي غير هدي في اتجاه العدو أشار إليه ليركب دبابته ولكنه رفض الركوب وأخذ يشتم بكلمات غير واضحة المعني ( ومن الغريب أنه نجي واعتذر لعصمت بعد أن قابله بعد ذلك بعدة أيام ) . وأخيراً رأي عصمت كتيبة المشاة والدبابات المعاونة لها قد نجحت في اقتحام النقطة القوية وأصبح القتال متلاحماً... وعرف أنه حان الوقت للتخلص من المعركة ... فأصدر أوامره للعربات المدرعة بتفادي المعركة والانضمام السريع إلى كتيبة المشاة وفي نفس الوقت أخذ يخلص دباباته من التبة التي استخدمها للرمي ... لكن كانت مشكلته أنه إن تقدم للحاق بالكتيبة فسوف يعرض دبابته لنيران 5 دبابات و3 عربات صواريخ ... وفعلاً أخذ ينطلق بدبابته بأعلى سرعة في اتجاه النقطة الحصينة وكان أثناء تحركه يسير بطريقة زجزاجية لتفادي المقذوفات تنفجر بصورة تلقائية أمامه وخلفه وعلي أجنابة ...وكان في كل وقت ينتظر اصطدامها بدبابته ...بالتالي الموت الزؤام ... ولكن فجأة أحسن برجة شديدة بدبابته أثناء تقدمها السريع وأخذ ينظر داخل دبابته لعله يجد نيران مشتعلة أو إصابات بالأفراد ولكنه لم يجد شيئا فأمر رامي دبابته بالاستمرار في الرمي ولكنه أجابه أن هناك أصابة تمت ببرج الدبابة وأن البرج لا يستجيب في الإدارة وهنا تأكد عصمت أن هناك إصابة ببرج دبابته ولكنها إصابة غير قاتلة والأرجح أن هذه الأصابة من أحد تلك المقذوفات المحملة بمادة شديدة الانفجار ( تى . إن . تي ) ( TNT) التي لا تخترق برج الدبابة فتجعله لا يتحرك ... فأصبح عصمت الآن يهاجم النقطة الحصينة بدبابة بدون أسلحتها . ولهذا فعندما رأي انسحاب الدبابات الخمسة المعادية وعربات الصواريخ إلى داخل سيناء ... خرج عصمت من برج دبابته وأخذ يضرب ببندقية الآلية لاصطياد الجنود الإسرائيليين الفارين من الدشم ... قد نجح في اصطياد 3 جنود إسرائيليين بسهولة خاصة وأنه كان يجيد القتال بالبنادق كإجادته في القتال بالدبابات ... لكن كان أعجبه منظرا رآه أنه شاهد جنديا مصريا يعمل كعامل إشارة يأسر ثلاثة جنود إسرائيليين مسلحين ببنادق آلية بواسطة مسدس 9 مم ... عندما أوقف دبابته وتحدث مع الأسري الإسرائيليين مستفسراً عن سبب استسلامهم السريع للجندي المصري بالرغم من تسليحهم أجابوا بأنهم كانوا نقطة ملاحظة للمدفعية وأثناء عملهم فوجئوا بالجندي المصري يأمرهم بعد أن شهر مسدسه بتسليم أنفسهم فرموا أسلحتهم علي الأرض فوراً ... لقد كانوا يظنون علي حد قولهم أنهم محاضرون من قبل قوة مصرية كبيرة وليس فرداً واحداً . ***


 

الفصل الثالث

 

أخذ عصمت يتفحص النقطة الحصينة باندهاش وتعجب من حجم الأموال التي صرفت في تلك النقط الحصينة والتي تسمي في إجمالها بخط بارليف لقد كانت بعض تلك النقط الحصينة ذات ثلاث مستويات فهناك علي مستوي الأرض دشم الأسلحة والدبابات ( مرابض النيران ) وأبراج المراقبة المصنوعة من الأسمنت المسلح ويعلوها أحجار بارتفاع من 6 إلى 8 متر لزيادة قدرة الدشم علي امتصاص المفرقعات ويربط ويثبت هذه الأحجار بعضها ببعض شبكة من الحديد الصلب .. ثم المستوي الثاني وهو أسفل مستوي الأرض حيث توجد ملاجئ الأفراد وصالات الترفيه والطعام ثم المستوي الثالث لأسفل في عمق الأرض حيث توجد المخازن لوضع الاحتياجات والذخائر بل وفي بعض الأحيان وضعوا مدافع في أسفل حيث يتم رفعها حيث تتحرك تلك المدافع لأعلي إلي الدشم ويتم فتح نوافذ هذه الدشم الفولاذية لتمكن تلك المدافع من الرمي ... لقدكان الانفاق علي هذا الخط ببذخ ولما لا وقد كانوا يظنون أنهم لن يخرجوا من هذا الخط المنيع بتاتاً أو بعد عشرات الأعوام ... ثم دخل عصمت غرفة مبيت الأفراد وقد لاحظ وجود صور لنساء عارية علي الحوائط لمجلات أجنبية ... كما لاحظ أيضا وجود أجهزة للتكييف والتهوية بكثرة علاوة علي أسرة ومراتب جيدة الصنع لقد أدرك أمام جيش مرفه جيداً . لقد كانت الفترة التي قضاها عصمت في النقطة الحصينة من أفضل الأيام التي قضاها في فترة الحرب فقد نام لأول مرة منذ اندلعت الحرب 6 ساعات متواصلة هذا بينما لم ينم في الأيام الثلاثة السابقة في كل يوم إلى فترة تتراوح بين 20 إلى 30 دقيقة متواصلة صحا عصمت علي رنين التليفون الميداني فوجد قائد الكتيبة المشاة يتحدث معه قائلا له أنه عين قائداً لسرية الدبابات بدلا من الرائد أبو العلا ( الذي علم مسبقاً أنه قد أصيب ) حيث تم إخلاؤه للخلف للعلاج .. ولقد كان عصمت ينتظر من قائده أن يكلمه بعنف ويزجره عن فقده لاتجاه التحرك أثناء المعركة وعن خسائره العالية في فصيلته لكنه كما يبدو قد غفز له هذه الأخطاء لأنه اشتبك بشجاعة مع قوة الهجوم المضاد للعدو حيث استطاع إشغالها وإخراجها من المعركة الرئيسية للكتيبة ما هيأ الظروف المناسبة للكتيبة في إختراق النقط الحصينة.. وبعد انتهاء المكالمة شغل عصمت أنه عليه الآن سرعة رفع الكفاءة الفنية والادراية لدبابات سريته حتى تستطيع القتال المناسب في المرة القادمة ... فأخذ عصمت يتجول بين النقط الحصينة مسلما علي ضباط وجنود المشاة الأبطال الذين أخترقوا بأجسامهم هذه النقط الحصينة ويرد عليه الجنود بالتعظيم وبشائر السعادة والفخر علي وجوههم ... وكأنهم لا يصدقون أنفسهم في الانجازات التي حققت . وأخذ عصمت يسأل نفسه هل تم تعظيم العدو واعطاءة حق أكثر مما يستحق قبل المعركة أم معاونة الله تعالي وإنزاله السكينة في النفوس هي السبب في هذا النجاح ...وعلي حين غرة وجد عصمت صديقه النقيب خالد علام امامه ذلك الصديق الي كان يقابله دائما في نادي هليوبليس الرياضي . فاحتضنه وعانقه مشجعا لقد كان ذلك الملازم من قادة المشاة الأصاغر الذين هاجموا دشم العدو بصدورهم . ولكن منظره كان يختلف تماما عن منظره بنادي هليوبليس الرياضي . فخالد لم يكن حليق الذقن تحيط بعينيه كرتين من السواد يدلان علي عدم النوم منذ بداية الحرب ... وإرهاق جسماني ونفسي يظهران علي جميع أجزاء جسمه ..ولهذا أخذ عصمت يداعبه ضاحكا علي منظره الرث ... وكان خالد يرد عليه بالضحك المماثل وكأنه سعيد بأنه وجد أخيراً من يضحك معه في مثل هذه الظروف الصعبة . سأله عصمت عن أخر مرة رأي فيها المرايا ... ؟ قائلا له قد أصبحت أحد الفيلة التي تتحدث قصة كليلة ودمنه . ثم سأله عن أخبار البنت الجميلة يجلس أمامها في النادي بالساعات ولا يتخذ أي إجراء فعال للتعرف عليها ... لأنه خجول ... ثم استرسل عصمت ضاحكاً يا خالد الهجوم أفضل من الدفاع والهجوم يحقق المكاسب إنني أقترح عليك فور الانتهاء من هذه الحرب الهجوم وذلك بالتكلم مع هذه الفتاه الجميلة ... اترك الخجل ورائك أتقاتل وتتعرض للموت ... ولا تخاف وتخاف تتكلم مع بنت جميلة ... فضحك خالد قائلا والله أول ما تنتهي الحرب سأعمل بنصيحتك أنني معجب بها للغاية وأريدها أن تكون زوجتي فضحك عصمت وصافحه وقال اتفقنا ... ثم سار متجاورين في اتجاه بعيد عن الدشم التي تم الاستيلاء عليها ... ما هي إلا لحظات وقد سمعوا صوت الرتالة التي يقوم بضربها المراقب الجوي والتي تدل علي وجود غارة جوية . وهنا جذبه خالد من يده قائلا أقترح أن نجري سريعا وندخل بالدشم الاسرائيلية إنها قوية وتتحمل بسهولة الضرب ... فأجابه عصمت أتجعلنا نجري كل هذه المسافة .. أعتقد أن الأفضل أن ندخل هذه الخفرة البرميلية القريبة أنها أفضل ... وهنا اختلف الأثنان وكا منهما نفذ ما يعتقد أنه علي صواب . لقد كان من هوايات عصمت أن يرفع رأسه وعينيه دائماً ويراقب طائرات العدو أثناء غارتها .. فإنه من الرجال الذين يصعب انحناء رأسهم لأحد حتى مع الموت ... ما هي إلا لحظات حتى حلقت طائرتان فانتوم 4 فوق النقطة الحصينة وقذفتا بقنبليتين زنت 2000 رطل فوق الدشم الاسرائيلية مباشرة . وبالذات الدشمة التي دخلها خالد منذ ... أخذ عصمت يراقب الطائرتان وهما تنقضان علي أهدافهما ثم إسقاطهما للقنابل الشيطانية ثم ارتفاعهما المفاجئ لأعلي لتفادي الشظايا المنبعثة من القنابل الضخمة ... والتي لا تستطيع الطائرة أن تحمل واحدة منها فقط ... وهنا ارتجت الأرض كالزلزال وبالرغم من أن عصمت كان داخل حفرته البرميلية وعلي مسافة لا تقل عن 300 متر من منطقة الإصابة إلا أن الحصى والأتربة اصطدمت بوجهه فاضطر إلى خفض رأسه بالحرفة البرميلية ثم سمع الانفجار الثاني المدوي ولكنه لم يستقبله بنفس القوة فقد وضع كلتا يديه علي أذنيه وما أن مرت عدة ثواني إلا وقد رفع عصمت رأسه مستطلعا تأثير القنبلة علي الدشم ... لقد كانت الاصابة محكمة في دشمه خالد خاصة وأنها كانت في أضعف نقطة وهي مدخل الدشمة ... أما الدشمة الأخري فلم تصب بتاتا ... لقد كانت الدشمة بالنسبة لهم مقبرة حقيقية احتوت أجسام الشهداء حيث تهدمت تماما فرقدوا بها ساكنين هادئين حتي يومنا هذا ... وتحطمت بذلك أحلام سبعة من شباب مصر الأبطال كان أحدهما خالد ... ولم تمضي بضع دقائق إلا وقد أرسل المراقبون الأرضيون المدفوعون للأمام للأشارات الدالة علي بدء الهجوم الأرضي بالدبابات إذن فالعدو سيحاول استرداد النقطة الحصينة وما الهجوم الجوي إلا تمهيد للهجوم الأرضي وهنا جذب عصمت صفارته من جنب سترته وأخذ يطلق صفيرا حاد متقطعا إنها إشارة إلي قادة الدبابات بركوب الدبابات والاستعداد السريع للقتال ... ثم قذف بنفسه داخل دباباته واضعا جهاز اللاسلكي على وضع العمل والهلمت ( غطاء الرأس داخل الدبابة ) علي رأسه قائلا بالاسلكي " لقد حان العمل يا أولاد بعد راحة الطويلة التي أخذتموها "أخذ عصمت يراقب سحب الأتربة المتجهة في اتجاه النقطة الحصينة من تأثير سير الدبابات الاسرائيلية وتقدمها لقد لاحظ أنها تتزايد بقليل عن الثلاثين دبابة علاوة علي تدعيمها بالعربات المدرعة المحملة بالمشاة الإسرائيلية وفي أثناء ذلك اتصل به قائده باللاسلكي وسأله عن موقفه فأجابه أنه جاهز للاشتباك بجميع الدبابات وأنه في انتظار إشارة فتح النيران لقد تقدمت الدبابات الاسرائيلية وأخذت تقلل السرعة لفتح تشكيل الهجوم ولاحظ أنها لم تتوقف ولم تقم باستطلاع مواقع انتظار كعادة القادة الإسرائيلين بل أنها تحاول الهجوم من الحركة مستهينة بالعدو الذي أمامها ولم تستفيد من خبرة قتال الأيام السابقة بل وصل حد الاستهانة أنها بمجرد أن أخذت تشكيل القتال بالمواجهة بدأت بزيادة سرعة الدبابات والمدرعات وبدأت بالهجوم السريع سأل عصمت نفسه يا له من قائد غبي أنه يهاجم ويعتبر نفسه أنه فائز من البداية معتمدا علي أن معه حوالي خمسة وثلاثون دبابة وأن عدوه مدعم فقط بسبع دبابات ولم يعمل أي حساب للمشاة المصريين هؤلاء الأبطال الذين لم يعلم الإسرائيليون قدرتهم وإمكانيتهم الحقيقية بالرغم من مرور بضع ألأيام من قيام الحرب . سأل الملازم حسن باللاسلكي عصمت هل اضرب الآن يا فندم إنني أميز الدبابات الإسرائيلية جيداًَ فأجابه عصمت لا تفتح النيران الآن وفتح النيران سيكون بأوامر شخصية مني ... وبالرغم من أن قائد المشاة قد أعطي أوامر فتح النيران إلا أن عصمت فضل بذكاء حبس النيران للوقت المناسب ... فقد حسبها جيداً فلو أنه أعطي الأوامر بالرمي ودبابات العدو علي مسافة من أثنين إلى ثلاثة كيلوا مترات لأمكن للعدو أن يركز نيرانه علي الدبابات وأن يخصص لكل ثلاثة دبابات إسرائيلية دبابة واحدة مصرية حيث أن هذه المسافة لا تمكن دباباته من إصابة دبابات العدو من أول طلقة فإنه فضل أن يحبس نيرانه حتى تدخل دبابات العدو للمسافات القريبة في مناطق القتال التي تحددها من قبل إنه يريد أن تكون كل طلقة خارجة من دباباته طلقة قاتلة لقد كانت خطة استخدامه للنيران تعتمد علي مفاجأة العدو من حفرة جيدة التجهيز ومخفية جيداً لا تظهر دباباته منها إلا عند إطلاقها للنيران أخذ العدو يزيد سرعة قواته عند إقترابه من مواقعنا وأخذت دباباته تتكاثف في قطاع ضيق تلك عقيدة العدو السرعة في الاختراق في قطاع ضيق . ثم للوصول في العمق للتأثير علي الروح المعنوية وسرعة انهيار الدفاعات ولكن الآن كل مقاتل يعلم عقيدة العدو جيداً ومدرب علي كيفية احتواء العدو وبشجاعة وتدميره ويعلم دوره وظيفته في المعركة . سواء كان رامي دبابة أو مدفع أو قاذف أو جندي مشاة ... سواء بفتح النيران أو بالقتال المتلاحم أو بوضع العوائق ( كالألغام ) وبدأت المعركة بالنسبة لقوات عصمت بإشارة منه باللاسلكي ... قائلا رعد الآن وذلك عندما كان العدو علي مسافة 1500 متر من مرابض دباباته حيث أمر دباباته بتركيز النيران علي دبابات العدو الدقاقة التي اندفعت للأمام لفتح الثغرات في حقول ألغامنا وبمرور عشرة دقائق نجحت سريته في تدمير ثلاث دبابات للدقاقة بنيران أبطال المشاة ولكن العدو أخذ يدفع بدباباته خلف دبابات الدقاقة الناجحة وأخذ يدفع بدباباته للعبور من الثغرات التي نجح في فتحها ... واشتدت المعركة وأصبحت النيران و الانفجارات في كل مكان بأرض المعركة فاستطاعت دبابات عصمت أن تدمر دبابتين أخريين ولكن دبابات العدو واصلت الهجوم السريع والضغط حيث أمكن لدبابات النسق الأول من عبور وتجاوز مرابض دباباتنا بحوالي 16 دبابة وهنا بدأ القتال المتلاحم بين أبطال المشاة وتلك الدبابات وهنا أصدر عصمت أوامره بترك الدبابات التي نجحت في الاختراق لأبطالنا المشاة وسرعة التعامل مع دبابات النسق الثاني وفصلها عن النسق الأول ... لقد كانت المعركة رهيبة هنا وهناك تجري في كل متر من الأرض انفجارات ونيران ودخان وأتربة وضوضاء عالية من تأثير الانفجارات وتشغيل مواتير الدبابات والعربات ... وصياح وتكبير الله أكبر ... ودماء تسيل بدون حساب ... وأجسام بشر تحترق داخل الدبابات والعربات ... وروائح عطنة غربية متصاعدة من تاثير حرق أجسام البشر والكاوتش والبلاستيك ... لقد كان صراعا عجيباً رهيبا ممزوجاً بين التكنولوجيا والشجاعة والذكاء والإمكانيات والقدرات لكل من الطرفين المتضادين إنها أطول دقائق في عمر البشر المشتركين فيها دقائق مملوءة بالمتناقضات بالخوف والرهبة وحب البقاء بالشجاعة والشرف والكرامة وحب الوطن ... ثم لاحظ العقيد عبد التواب وهو قائد المنطقة الدفاعية أن دبابات العدو بدأت تتوقف أمام القتال المتلاحم لجنوده وبدأت مجهوداتها القتالية تتشتت وهنا أصدر أمر بسرعة احتلال القوات الاحتياطية المدعمة بالصواريخ للتباب الحاكمة حول دبابات العدو وبسرعة معاونة القوات المقاتلة والدبابات في تدمير العدو .. لقد دخلت دبابات العدو في المصيدة فالمشاة المصريون الأبطال يقاتلوهم من داخل حفرهم بل بعضهم قد تركوا حفرهم وقفزوا فوق دبابات العدو غير مبالين بالنيران يحاولون قتل أطقم الدبابات بالسنكي أو بنيران البنادق وصواريخنا الموجهة تحصد دبابتهم من الجنب ودبابتنا تفصل دباباتهم عن بعضنا وتمنعهم من الانسحاب ... لقد كانت سيمفونية عظيمة للنصر بقيادة المايسترو عبد التواب ... حيث بدأت بالتدريج تظهر معالم الهزيمة علي قوات العدو حيث بدأت بعض الدبابات المتفرقة تحاول الارتداد في اتجاهات مختلفة مما يدل علي أن القائد الإسرائيلي قد فقد سيطرته علي دباباته ... وأن القادة الأصاغر يحاولون الانسحاب بدون خطة واضحة للانسحاب .. وهنا أصدر العقيد عبد التواب أوامره المشددة بمنع الانسحاب والارتداد للعدو بتكثيف القتال المتلاحم ورمي الألغام سريعا علي الطرق المتوقع الارتداد عليها .. وعب دبابات عصمت المناورة السريعة وعمل الكمائن لمنع ارتداد دبابات العدو ... وتم تنفيذ أوامر القائد باستجابة سريعة وبدأت أصوات المعركة تقل رويداً رويداً حتى سكنت تماما إلا من أثار الحرائق والدخان وأنات المصابين .. لقد فقد العدو في هذه المعركة من الدبابات والعربات حوالي 80 % من قواته أما الأسري فإن عددهم كان أكثر من المعتاد فدبابات عصمت بمفردها تمكنت من أسر 14 أسيراً وعن تجميعهم أمام عصمت تمهيداً لتسليمهم للقيادة الأعلى فوجئ بأنهم ذو أشكال مختلفة فبعضهم أصفر الشعر ذو عيون زرقاء والأخر ذو شعر أسود وبشرة سمراء اللون … والبعض البعض الأخر زنجي الشكل وكان معظمهم في حالة من الذعر والخوف والرهبة بل أنهم عندما يقترب منهم جندي مصري سرعان ما يغطي وجهه بذراعيه متوقعا أنه سيضرب … هنا خطب فيهم عصمت باللغة الإنجليزية بأنهم قد أصبحوا أسري أي خارج المعركة وأنه لا داعي لذعرهم لأنهم سيعاملون معاملة كريمة تليق بالمقاتلين … طالما أطاعوا الأوامر والتعليمات … وفي الحقيقة فإن هذه المعركة كانت ضربة كبيرة للقادة الإسرائيليين أثبتت أنه من الصعوبة بمكان أن يحاولوا استرداد المناطق الحصينة وهذا ما حدث حيث أن هذه المنطقة الحصينة لم تهاجم مرة أخري حتى نهاية الحر ب .

 

*** الفصل الرابع

 

اجتمع الضباط في الصالة الإسرائيلية الأنيقة بالمنطقة الحصينة لقد كان أغلب الضباط من ضباط المشاة حيث أن الوحدة القائدة من المشاة تحت قيادة العقيد عبد التواب ...التي قد دعمت بسرية دبابات وعناصر من الصواريخ الموجهه لقد كان الجميع فرحين وفي نشوة النصر خاصة وأن العدو ظل خامل النشاط لمدة ثمانية وأربعين ساعة بعد المعركة التي تكبد فيها خسائر فادحة ... ثم بدأ العقيد عبد التواب في الحديث بالثناء علي الجميع الضباط والصف والجنود في قتالهم وخص بالذكر بعضا ممن أبدوا شجاعة فائقة ... ثم أمر بدقيقة حداد علي أرواح شهدائنا الأبرار ... ثم أخبرهم بأن هناك تعليمات عاجلة بإعادة التنظيم وانتقال بعض الضباط إلى وحدات أخري للتكليف بمهام قتالية جديدة وهنا وجه كلامه إلى عصمت قائلا ... إنك مطلوب تحركك اليوم مساءً للانضمام إلى اللواء المدرع ( وحدته الأصلية ) وعليك تجميع أي أفراد من أطقم الدبابات التي دمرت دباباتهم لأخذهم معك لقد كنا نريد أن تظل معنا لقد حاولت أن تظل تحت قيادتي ولكن قيادتك أصرت علي سرعة انضمامك للواء مساء هذا اليوم بارك الله فيك ثم قام واحتضن عصمت مصافحاً قائلا علي فكرة إنك ستتغذى معي اليوم فذلك الغذاء هو حفلة توديعك ... فأجابه عصمت ضاحكاً وهو كذلك . لم يأخذ الاجتماع إلا نصف ساعة حيث تحرك عصمت مع قائده لملجئه لتناول الغذاء ...بمجرد جلوسهم علي المقاعد بدأ العقيد عبد التواب يتكلم مع عصمت عن خبرته في أعمال القتال عن الأيام السابقة ثم سأله عصمت قائلا أنني أتعجب يافندم كيف خسرنا حرب 67 والعدو ليس بالقوة التي تمكنه من إحراز نصر بل إنه في الواقع كثيراً ما يتجنب القتال الفعلي لأنه يخشى دائما خسارة أرواح أفراده . فقال العقيد عبد التواب إن الحرب الحديثة تكسب قبل أن تبدأ فبالتخطيط الجيد والإعداد الدقيق والقيادة الواعية وبالحشد المناسب للقوات والأسلحة والمعدات ثم بتحقيق المفاجأة كل ذلك سيؤمن ويؤكد النصر وهذا ما فعله عدونا في الحرب السابقة وهذا ما فعلناه في الحرب الحالية ... لقد كان هناك سلبيات كثيرة في الماضي عززت هذه الهزيمة وفي الحقيقة أن عوامل الهزيمة كانت فينا قبل أن تكون في قوة العدو ولكن الحمد لله فقد استطعنا دراسة هذه السلبيات وتلافيها .. وانظر الآن ... إلى هذه الأيام المجيدة فها نحن اخترقنا خط بارليف بسهولة عابرين أكبر مانع مائي في التاريخ الحديث ناجحين في تدمير الدشم الحصينة مدمرين جميع هجمات العدو المضادة بأحدث دباباته وأسلحته كل ذلك بفضل الله والقيادة الواعية والإعداد والتجهيز الجيد للأفراد والأسلحة والمعدات هذا بالرغم من أن العدو يملك كما من الأسلحة والمعدات أحدث وأكثر بكثير مما نملك ... لقد كان الغذاء ثريا بأنواع المأكولات بعضها من التعيين المصري والأخر من مخازن جيش الدفاع الإسرائيلي وعلي الأخص علب الكمبوت والشكولاتة ... حتى أن معدة عصمت قد امتلئت تماما بالطعام ... وكأنه يعوض سوء التغذية عن الأيام السابقة وأخيراً قام عصمت واقفا قائلا ... معذرة أيها القائد فعلي الآن الرحيل لتجهيز الأفراد خاصة وأنني أحسست أنني علي شك النوم ... فقام عبد التواب باحتضانه مرة أخرى ذلك الاحتضان الذي يدل علي الحب والدفء الحقيقي بين رجلين لم يتعرفا علي بعض إلا من بضع أيام لا تربطهما ببعض صلة غير المشاركة في الشجاعة وحب الوطن ... لقد ظللت هذه اللحظات راسخة في عقل عصمت خاصة وأنه كان اللقاء الأول والأخير بينهما فقد استشهد البطل العقيد عبد التواب بعد بضعة أشهر بعد كفاح وقتال مضي كان فيه مثالا للقائد الشجاع القدير وذلك في يوم إيقاف النيران بيننا وبين العدو الإسرائيلي من دانة مدفعية طائشة وقد أكد هذا نظرية راسخة في ذهن عصمت يؤمن بها دائماً وهو أن الله دائما يختار الأخيار من أهل الأرض بجانبه مبكراً عن باقي البشر.... وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم في حديثه الشريف عندما قال "كلكم ميت وإنما يعجل بخياركم " *** تحرك عصمت بالعربة اللوري حاملا أفراد أطقم الدبابات الزائدة عن الدبابات وأخذ يحي أفراد المشاة بالمواقع الحصينة لقد كانوا يلوحون له بعلامة النصر أو بالتلويح بالبنادق أما هو فكان يرد عليهم بالإشارة بذراعه من خارج نافذة العربة ... ولم يمر سوي وقت قصير إلا وقد خرج من نطاق المنطقة الحصينة لقد كان عليه أن يتحرك مسافة أكثر من ثلاثين كيلوا مترا عرضاً بطول الجبهة ولذا فقد أخرج خريطته وأخذ يدرس ويراجع طريق التحرك بعد أن لم في السابق بأوضاع قواتنا وبأوضاع حقول الألغام والمناطق التي لا زال بها اشتباكات حتى يستطيع تفاديها وعموما فقد كان خطة الجبهة في هدوء نسبي حيث خسر الإسرائيليين حوالي 600 دبابة وعربة مدرعة والتي كانت تمثل قوة الدفاع الإسرائيلية عن سيناء ... ولكنه يعلم الآن أن الإسرائيليين يحركون مئات الدبابات من عمق إسرئيل للجبهة المصرية ... لتعويض خسائرهم العالية وأخذ عصمت ينظر لحطام الدبابات والعربات والمعدات الإسرائيلية المحطمة والمحروقة وقد تناثرت بجانبها أشلاء بشرية وجثث وبقع حمراء غامقة حمراء أخذت تتحول بالتدريج للون الأسود والأرجح أن قواتنا لم تهتم في المرحلة الأولي برفع الجثث حيث كان كل مجهود قواتنا موجه أساساً للتجهيز الهندسي لإنشاء حفر ملاجئ للأفراد ومرابض للدبابات والمدفعية ... لقد كانت الإصابات في تلك الجثث محكمة أحالتها إلى أشلاء ممزقة هؤلاء الذين أصابهم الغرور والخيلاء وظنوا أنهم شعب الله المختار وأنهم أذكي شعوب البشر ونسوا أن البشر جميعا من أب واحد وأم واحد. ثم أثناء مروره علي إحدي وحدات المشاة المصرية لاحظ أنهم دفنوا شهدائهم بأرض المعركة حيث وضعوا جثثهم بأعلى التباب والهضاب حيث أن الأرض كانت صخرية لا يمكن حفرها وقد وضعوا فوق جثث الشهداء أكواماً من الحجارة لقد دفنوهم بملابسهم وأحذيتهم ثم وضعوا أخشاب صغيرة في شكل أوتاد ومثبت عليها خوذ الشهداء وأسماؤهم . لقد أصابته رعشة كهربائية عند مروره بهذا المنظر فقد أحس بأن هؤلاء الشهداء يراقبونه من أعلي بل ويحيونه ... لقد شعر بإحساس غامر بأن ذلك هو أفضل موت لمقاتل المؤمن بالله وعدالة قضيته ... بل وتمني أن يستشهد ويدفن بهذه الطريقة ... في الصحراء الفسيحة ... في أعلي التباب ... أخذت عربته تسير عبر قواتنا المقاتلة وكثيراً ما كان يتم إيقاف عربته للتأكد من الشخصيات ومعرفة كلمة المرور ... ثم سرعان ما يتم سؤاله من أفراد الحراسة والمعارضة عن أخبار وحدته وما حققته ثم سرعان ما ترتفع الروح المعنوية لكل الأطراف ... وأخيراً وصل إلى منطقة التجمع المطلوب الوصول إليها تلك المنطقة التي علي مدخلها ضابط من الشرطة العسكرية وجنود للإشارة فسألهم بعد أن أعلن عن نفسه ومهمته عن المكان المطلوب التوجه إليه فأرشدوه إليه . تحرك عصمت إلى داخل منطقة التجمع وقد لاحظ أن هناك أرتال من الدبابات أخذت تنتشر في المنطقة ودبابات أخري قد سكنت في ملاجئها .. لقد أحس أنه يتم الآن تجميع اللواء المدرع الأم بعد أن كان قد ساند هجوم المشاة الأبطال في الأيام الأولي ... وأنهم مقبلون علي مهمة جديدة ... اتجه عصمت إلي مركز قيادة اللواء بعد أن عرف مكانه وأبلغ عن وصوله وعن القوة التي معه .. حيث أمر بالانتظار في مركز القيادة حتى تصل الأوامر الجديدة له ... وهنا استغل الوقت في التوجه إلي صديقه النقيب محسن وهو ضابط يعمل بمركز القيادة ليعرف أخبار كتيبته من ناحية وما أنجزته والخسائر بها وعندما سأل محسن عن ذلك أجاب أن الخسائر حتى الآن مقبولة ... ولكن ما يميز الخسائر هو ارتفاعها في ضباط المدرعات بصفة خاصة ... لوقوفهم لمدرعات الدبابات بشجاعة فائقة مستهينين بالموت ثم سأل عصمت عن ضباط كتيبته أسماً أسماً وهنا أجابه محسن بأن كمال ومحمود رماد (1) والآن وهناك أربعة من الضباط جرحي وذكر له أسماؤهم وذكر أنه تم إخلائهم للعلاج ثم أخبره أن أحد الضباط الاحتياط أصيب بالصرع من جراء الحرب فسأله عصمت وكيف تعاملتم معه فأجابه محسن أن الطبيب الضابط أفتي بأن عليه أن يستمر في الميدان لأنه لو سحب من الميدان لأصيب طوال عمره حيث أن علاجه أن يستمر في الميدان . حتى يرجع إلى حالته الطبيعية مع رفع الأعباء والواجبات عنه عليك فضحك عصمت ياله من خيار علاج ... حقاً إن أصابع اليد كلها ليست متساوية والقدرة علي التحكم والسيطرة علي النفس تختلف من فرد لأخر ولا يظهر ذلك إلا في المواقف الشديدة ... لقد كان عصمت في تلك اللحظة يحس بالشعور المتناقص يحس بالزهو والفخر لما أنجزته قواته ووحداته ويحس بالحزن والألم والقلق للخسائر التي حدثت من استشهاد بعض الضباط والصف والجنود الذين يعرفهم وكان وعلي صلة بهم ولكنه تذكر أن الشعوب عليها ضريبة الجهاد أمام الله . وأخيراً صدرت الأوامر إليه بأن يتوجه إلي كتيبته وقد عين قائداً لسرية دبابات لإحدى الدبابات التي استشهد قائدها فتوجه عصمت سريعا لمقابلة قائده وهو المقدم المهدي الذي انفصل عنه من اليوم الثاني من بدء الحرب نظراً لسحب عصمت ضمن مجموعته لتدعيم أعمال قتال المشاة . وجد عصمت المقدم المهدي جالساً علي الأرض بجانب دباباته وقد شد شبكة الإخفاء والتمويه علي دبابته فصنعت له ظلا وكان أمامه صندوق ذخيره من الخشب يستخدمه كمكتب حيث وضع أمامه خريطة وعلبة ألوان وكان عند وصول عصمت يرسم علي خريطته ... فصاح عصمت مساء الخير يا أفندم فأجابه أهلاً وصلت أخيراً .. كيف حالك وما أخبارك . وأخبار أبو العلا هل صحيح جرحه كبير فأجابه عصمت قائلا في الحقيقة الشظية كانت كبيرة ذات حافة حادة ولكنها مرت مر الكرام علي بطنه ففتحت البطن تماما 25 سنتيمتر إنما لم تتوغل فأبو العلا يملك بكن من الفولاذ وقد سمعت أنه يتحسن الآن بالمستشفي الميداني بعد أن أجريت له الجراحة اللازمة ... ثم واصل المقدم المهدي قائلا والله منذ زمان لم أرك لقد سمعت أنك كنت سارحا في الجبهة ... فضحك عصمت معلقاً بالفكاهة سيادتك الذي تخلصت مني وأرسلتني لمعاونة المشاة فضحك المهدي قائلا ها نحن قد أحضرناك مرة أخرى سوف نري ماذا سوف تفعل ... الظاهر يا عصمت أنهم يعيدون تجمعنا لأن هناك تطورا جديداً في الحرب وعلي كل حال اعتقد أنك ستقود السرية الثانية دبابات وهي والحمد لله جميع دباباته سليمة عدا دبابة واحدة أرجو أن ترفع كفاءتها الفنية في أسرع وقت فلا يعلم إلا الله ما هي مهمتنا الجديدة فقال عصمت تمام يا أفندم هل هناك أوامر أخرى رفد شكراً لك، تحرك عصمت في اتجاه سرية دباباته الجديدة سيراً علي الأقدام وأخذ يفكر وكان متفائلا ومتشوقاً لرؤيته أفراد كتيبته السابقة ضابطاً وجنوداً ... *

 

** الفصل الخامس

 

صحا عصمت من النوم بعد نوم هنيء وكيف لا وقد خلع حذائه لأول مرة منذ اندلاع الحرب بل وخلع القايش من وسطه فقد جري العرف علي أن ينام بالأفرول والقايش مربوط علي وسطه والحذاء في رجله ومسدسه بجانبه ولكن الآن الأمان أكبر ... واحتمالات أن يتحول للقتال في وقت قصير أصبح بعيد الاحتمال... ولكن أثناء قيامه بغسل وجهه سمع صوت الرتالة وهي تضرب بشدة معلنة عن رفع درجات الاستعداد القصوى وفتح محطات اللاسلكية داخل الدبابات ... استغرب عصمت علي هذا التحول المفاجئ خاصة أنه ليست هناك أي عدائيات ظاهرة فلا طائرات مغيره فوقه ولا مدفعية للعدو تقوم بالرمي ... وسرعان ما ارتدي ملابسه وقفز داخل دبابته... وأخذ تمام دباباته باللاسلكي وسرعان ما أعطي تمام استعداده لقائده... ثم تلقي المفاجأة الثانية فقد أمر بالتحرك بسريته في هيئة رتل إلى هضبة علي مسافة بضع كيلوا مترات في الأمام ثم الانتظار حتى يلحق به قائد الكتيبة... فقام عصمت بإعطاء الأوامر بذلك لقادة فصائله التي بدأت في التحرك بدباباتها في الاتجاه المحدد . وتحرك عصمت بدبابته علي رأس السرية وأخذ يراقب ضباط وهو يسيطرون علي دباباتهم ويدخلونهم في تشكيل التحرك وأخذ عصمت يفكر في المهمة الجديدة فالهضبة التي حددت له ما هي إلا خط الابتداء لتنفيذ مهمة جديدة ولكن ما كان تقلقه أن المهمة يتلقاها بطريقة سريعة ومفاجئة وغامضة ومختلفة تماماً لما تعود عليه ... ثم إنه من الواضح أن تلك المهمة ستكون خارج المهمة الحررة ... *** مر عصمت علي مواقع المشاة المصرية التي خرجت من خنادقها لتحيته بتحريك أيديهم المحملة بالأسلحة لقد كانت تلك التحية من محارب إلي محارب آخر تشجعه وتحفزه علي تنفيذ مهامه القتالية الجديدة ... لقد أدرك رجال المشاة من تحريك الدبابات من الخلف واندفاعها للأمام بهذه السرعات العالية أن إخوانهم رجال المدرعات علي وشك الاندفاع للأمام خارج نطاقهم لتطوير الهجوم... أخيراً وصل عصمت إلي الهضبة المحددة له حيث أمر قادة فصائله بالترجل من الدبابات واللحاق به علي الهضبة ... ولم يمضي إلا بضع دقائق إلا وقد انضم إليهم قائد الكتيبة المقدم المهدي. فتح المقدم خريطته وأخذ يوجهها ثم سأل عصمت أتعرف محلك الآن علي الأرض فأجابه تمام يا أفندم... فأمره المهدي بأن يشير في الخريطة إلى المكان فأشار عصمت بدقة للمكان... فقال المهدي تمام... تمام سنتحرك الان علي هذا الطريق وأخذ يرسم بخطوط متقطعة طريق التحرك علي الخريطة سنفتح هنا وهذا هو الهدف أتعلم يا عصمت ما هو الهدف فأجابه لا... فقام برسم رمزاً يرمز إلى مركز قيادة العدو في الجبهة... وهنا أدرك عصمت ما هي المهمة... ثم استفاض المهدي في شرح المهمة... والجميع في سكون تام ... لقد كان المطلوب من عصمت وسريته التحرك لمسافة تزيد عن الثلاثين كيلوا متراً بقليل في أرض معادية يستطلع كل متر منها ويدمر أي قوات تقابله للعدو وقد تكون موجودة مؤمنا تحرك كتيبته حتى الوصول للهدف ثم يشترك مع باقي الكتيبة في تدمير الهدف .. أخذ عصمت يفكر بجدية ثم صاح فجأة ياله من هدف ثمين شهي وبالرغم من إدراكه للصعوبات تماما فإن طبيعته المتحمسة الجسورة تغلبت علي تلك الصعوبات ثم استأنف كلامه قائلا أمام قائده وضباطه ولينقل حماسته لهم أهذه هي المهمة فقط ؟؟؟؟ فأجابه المهدي يكفيك هذا.... ثم ترك المهدي عصمت وضباطه لإجراء أعمال بالمهمة الجديدة. *** اندفعت الدبابات المكلفة باستطلاع من سرية دبابات عصمت للأمام وأخذت تتقدم بحذر شديد في هدوء وثبات حيث أنهم بمجرد عبورهم لخنادق المشاة المصرية أصبح احتمال وجود عدو كبير جداً. وقد تحرك عصمت بدباباته خلف دبابات الاستطلاع مباشرة وأخذت الدبابات تطلق نيران رشاشاتها علي كل كدية أو حشائش في الأرض يمكن للعدو استخدامها في الإخفاء كنوع من أنواع التفتيش الدقيق ... وما هي غير ثلاث كيلوا مترات قد عبروها وفجأة فتحت عليهم نيران مفاجئة علي الجانب الأيمن من الطريق.... وبسرعة أمر عصمت جميع دبابات الاستطلاع بالاستتار في الأرض ومحاولة معرفة قوة العدو ومكانه بدقة ... وفي نفس الوقت أمر باقي دبابات سريته في الخلف بالتوقف أيضاً والاستتار. لقد كانت الأرض التي يعمل بها العدو ذات طبيعة جيدة للاختفاء والاستتار لما بها من هضاب وتباب متعددة... لهذا لم يرد عصمت أن يغامر بالتقدم إلا بعد معرفة العدو الذي أمامه بدقة... ثم سرعان ما أمر دبابتين من دبابات الاستطلاع بالاشتباك مع العدو من خلف التباب حتى يستطيع أن يكشف خطة نيران العدو والأسلحة التي معه ... وبدأت دبابات عصمت في الاشتباك وهو كالمدرب يراقبها ويراقب العدو باستخدام نظارة الميدان.. لقد اكتشف في النهاية أن قوة العدو أمامه عبارة عن أربع دبابات وعربتين مدرعتين... هنا أمر جميع دباباته بالفتح للقتال وسرعة مهاجمة العدو من الحركة لقد كان يثق في كفاءة أطقم دباباته ومستواهم العالي ويريد أن يزيدهم ثقة بأنفسهم وكفاءتهم ذلك بتدمير العدو أثناء تقدم الدبابات بسرعة عالية وبدون توقف ثم اندفع عصمت بدبابته عالية أمام دباباته. فاتحا النيران بسرعة عالية وكان تصرفاً غريب منه فالقائد يجب أن يكون خلف قواته وليس أمامها حتى يمكنه رؤية قواته والسيطرة عليها وكان التصرف الأغرب أنه هبط لداخل دبابته وأزاح رامي دبابته قائلا لو سمحت أترك الطلقة الأولي لأفتتح المعركة... وكانت الطلقة من دبابته أكثر من رائعة فقد أطاحت ببرج الدبابة المصابة مما يدل علي ثقة الرامي ... هنا هللت أطقم الدبابات نيرانها في وقت واحد تقريبا وفي خلال وقت قصير للغاية اشتعلت الدبابات المعادية جميعاً وكذا أحد العربات المدرعة وهربت الأخرى هذا ولم تحدث أي إصابات بدباباتنا ولكن لماذا تصرف عصمت هذه التصرفات الغريبة لقد أراد أن يظهر شجاعته وبراعته أمام السرية الجديدة التي يقودها حتى يكون مثالا يحتذي به أما عن المقدم المهدي فأخذ يتصنت علي اللاسلكي حيث أمكنه سماع أشارات وأوامر المعركة ثم فوجئ بعد وقت قصير أن عصمت يبلغه عن تمام تدمير العدو وأضاف أيضاً بأنه يمكنه تمييز تحرك رتل معادي من الدبابات مخلفاً وراءه خطاً هائلا من الرمال علي مسافة أربعة كيلوا مترات لقد استنتج كل من القائدين أن الدبابات والعربات التي دمرت كانت عناصر حراسة واستطلاع لقوة أكبر وها هي القوة الرئيسية للعدو تدخل المعركة وهنا أصدر المقدم المهدي لعصمت بالتمسك بأرض عالية مناسبة لإيقاف دبابات العدو التي تفوقه عدداً فاندفع عصمت ودباباته كالوحوش الكاسرة لتنفيذ هذا الأمر وأخذ عصمت يشرف علي احتلال دباباته للتباب الهامة ويحسن أوضاعها بسرعة حتى تستطيع مقابلة العدو في أفضل وضع ثم فجأة ظهرت دبابات العدو في الموجهة في حوالي ثلاثين دبابة أو أكثر بقليل ومعها أربع عشر عربة مدرعة وبدأ الاشتباك السريع لقد أحس عصمت بالقلق حيث أن كتيبته الأم كانت خلفه وتحتاج إلي عشر أو خمس عشرة دقيقة للدخول في المعركة أو بمعني أخر عليه أن يقاتل بمفرده ضد عدو متفوق عليه بنسبة ثلاثة إلي واحد وبالرغم من هذا فقد تماسك ولم يطلب من قائده الإسراع خشية أن ينقل قلقه إلي قادته المرؤوسين واعتمد علي حسن إدراك قائده وأنه سوف يدخل المعركة في الوقت المناسب ومن المكان المناسب وأخذ عصمت يوجه للقتال من خلف التباب حتى يقلل تعرضها للنيران . وبدأت المعركة صاخبة مميزة بقتال الدبابات فالدبابات الإسرائيلية أخذت تتقدم ببطء معتمدة علي كثرتها وأخذت تلقي نيرانها بأعلى معدل أما الدبابات المصرية فأخذت تلقي بنيرانها من خلف التباب بمعدل أقل لقد كان هدف عصمت الأساسي هو القتال التعطيلي وإحداث أكبر خسائر للعدو وأقل خسائر في قواته مع جذب العدو بكامل قواته في اتجاهه لإتاحة الفرصة لقائده لتوجيه ضربة قوية علي أحد أجناب العدو بطريقة مفاجئة انشغل عصمت بإدارة نيران دباباته علاوة علي مراقبته لأعمال قتال دبابابته وأخذ يعطي التوجيهات لقد دمر للعدو دبابتين ودمرت له دبابة ثم فجأة ظهرت دبابات كتيبة الأم علي الجانب الأيمن للعدو فأصبح العدو بين المطرقة والسندان... وأخذت دبابات العدو تأخذ اتجاهات متعددة للدفاع عن نفسها وأخذت دبابات قوة الالتفاف تضغط بقوة علي العدو بقيادة القائد المهدي الذي ميز عصمت دبابته المرفوع عليها بيرق لقد كان قائداً شجاعاً إلي حد التهور فقد كان مندفعاً أمام دباباته بأكثر من مائتين متر ثم بدأت المعركة تميل لصالحنا وبدأ عصمت كما يقول رجال المدرعات في مصطلحاتهم " تقسم علي العدو " أي يضرب ويقود النيران بهدوء وحكمه أو بمعني آخر مسيطر علي الموقف ولكن علي حيرة غرة وجد عصمت دبابته تهتز بشدة وأخذت إضاءات مبهرة تضئ وتطفئ داخل دبابته حتى افتقد حاسة الرؤيا لبضع ثوان لقد دخل مقذوف قاتل داخل دبابته لذا صاح عصمت في الطاقم بسرعة بإخلاء الدبابة قبل قبل أن تنفجر تماماً... ثم قفز من دباباته هو والمعمر ثم تلاهم الرامي ... ولكن السائق لم يخرج ... وبحركة لا شعورية قفز عصمت فوق الدبابة مرة أخرى فوق مكان السائق تماماً وأحس بالسعادة عندما وجد فتحة السائق مفتوحة حيث أزاحها بيده فوجد السائق جالساً وهو مذهول... ولا يتحرك... فأمره بسرعة الخروج ... ولكنه أجابه مذهولاً بأنه لا يستطيع.. فصاح عصمت في وجهه حاول الخروج وسأعاونك من الخارج ومد عصمت ذراعيه القويتين وأمسك بكتف السائق وجذبه لأعلي وبجهد كبير خرج السائق من فتحته ولكن بدون ساقين... وهنا أدرك عصمت ما حدث لقد أصيبت دبابته بذلك الصاروخ الملعون الأمريكي الصنع المسمي ( التو ) الذي عند اصطدامه بجسم الدبابة يقوم بإنتاج حرارة عالية تصهر الحديد وقام الحديد المصهور بأكل ساقي السائق... فجذب عصمت سلك تليفون قديم من علي الدبابة يستخدم في ربط الأشياء علي ظهر الدبابة وقام بربط ساقي السائق ربطاً محكماً عند منطقتي القطع حتى يمنع النزيف ولكن ما كان يدهشه أن السائق المقاتل بالرغم من الإصابة الجسيمة التي به فإنه لم يبكي أو يخف بل إنه طلب من عصمت برجولة ألا يتركه كما تقضي التعليمات حتى يلحق به العناصر الطبية وتعالجه... بل أصر علي أن يوضع علي أحد محركات الدبابات وأن يترك حتى تنتهي المعركة..... وقد نفذ عصمت طلبه عندما ركب دبابة أخري حيث وضعه علي محرك الدبابة ونسيه تماماً لانشغاله في المعركة... ( عاش السائق بعد ذلك فخوراً بهذا الحديث وقد تم تركيب أطرافه صناعية له فيما بعد ...) ودارت المعركة ساخنة بين الدبابات لقد كانت القذائف اللعينة تقذف هنا وهناك متفجرة ومبعثرة وشظاياها في جميع الاتجاهات حاصدة للأرواح فخسائر قتال الدبابات من أعلي الخسائر لأي نوع من القتال وهي تصيب الفائز والخاسر في نفس الوقت ... لقد كانت النفوس قلقة والعرق يتصبب وبعض الأيادي ترتعش بل إن بعض المقاتلين من تأثير الخوف الشديد أصبحوا يتحركون ويتعاملون مع الأسلحة وأجهزة الدبابة بدون وعي وأدت هذه التصرفات إلي تكرار الأوامر والتوجيهات وظهور العصبية وانفلات اللسان لقد كان الموت يحوم حول الجميع ويصيب الطرفين ... وتصاعدت الأحداث... ثم فجأة بدأ العدو في عمل ستارة الدخان والارتداد.. فقد أصبحت خسائره كبيرة وغير مقبولة... إنه يخاف علي أرواح جنوده دائما بمبالغة وبمجرد إحساسه بأن خسائره أصبحت عالية ينسحب سريعا من المعركة ... ولقد أحس المقدم المهدي ببدء بوادر الانسحاب حتى قبل أن يبدأ العدو بتشغيل ستائر الدخان لذا بدأ مبكراً بإعطاء تعليمات لمطاردة العدو وتكبيده أكبر خسائر ممكنة... بدأ العدو في سحب دباباته الأمامية بسرعة وأخذت دبابتنا تتقدم بجرأة للأمام الالتحام بدباباته المنسحبة وارتفعت الروح المعنوية لعنان السماء بعد ضيق والكرب... بدأت المعركة تأخذ شكلاً جديداً... فدبابات العدو أخذت تحاول الفرار في اتجاه الشرق ودباباتنا تحاول تدميرها بالنيران وبالحركة خلفها.. وفجأة صدرت أوامر بإيقاف المطاردة وعودة دباباتنا للمناطق الدفاعية... تعجب عصمت لهذه الأوامر فأنها تعني أن المهمة الأساسية قد ألغيت بالرغم من النجاح الفائق الذي حقق ... وأخذ يسأل نفسه ما هو السبب الحقيقي للإلغاء المهمة من أجل أن المهمة قد حققت بواسطة الطيران في تدمير مركز قيادة العدو ولا داعي للوصول بالدبابات إلي أعماق أعماق العدو أوهناك أسبابا أخرى لا يعلمها أن القادة الأصاغر في المعركة لا يعلمون إلا القليل فالمثل العسكري يقول المعرفة علي حد قدر الحاجة !!! **** رجعت الدبابات إلي حفرها السابقة في عمق الدفاعات وأخذ الجنود يفردون شباك التمويه عليها حتى لا تظهر لطائرات العدو وأخذ عصمت يمر علي أفراد سريته بمعرفة الخسائر الحقيقية ورفع الروح المعنوية فكثيراً ما كان ضابط أو جندي يصاب ولا يبلغ عن إصابته ساخراً منها بالرغم من أنها قد تكون إصابة متوسطة لقد توحش الرجال وأصبحوا لا يبالون بأشياء كثيرة وهنا يظهر الإهمال أخذ عصمت يمر بين الدبابات مداعباً جنوده ذاكراً أدائهم بالمعركة ساخراً من البعض ومشجعاً للبعض الأخر لقد كان يقابل وجوها ضاحكة أحياناً ووجوهاً مكتئبة مرعوبة ولقد كانت تلك الوجوه مصدر سخريته دائماً . لقد كان عصمت في ذلك الوقت صغير السن قليل التجربة لم يستطيع أن يميز أن أعصاب الإنسان وقدرته علي تحمل الضغوط النفسية والمادية تختلف من إنسان لأخر بل إن الظروف البيئية والأسرية المحيطة بالشخص نفسه تلعب دوراً كبيراً في مدي تماسك الشخص وقدرته علي ضبط النفس ولكن عصمت كان يضع نفسه كمقياس للتحمل والتماسك وياله من مقياس خاطئ فهو شجاع بالغريزة تربي في أسرة عسكرية منضبطة فوالده وجده وكذا إخوته كلهم من الضباط وينحدرون كمعظم المصريين من أصل عربي صعيدي يؤمنون بالقول المأثور إن حقك دائماً تأخذه بيدك . ولكن في الحقيقة بالرغم من سخرية عصمت بالبعض إلا أنه بفكاهته المرحة كان يهدف إلي تسرية وتخفيف الأمر علي هؤلاء الأشخاص المتشنجين من تأثير القتال..أنه في الواقع كان يخلق هذا الجو المرح المألوف بالحياة العادية والذي يشعر فيه الشخص بالثقة والاطمئنان في كل ما هو حوله . تذكر عصمت بعد بضع ساعات من الراحة بأنه قد نسي نظارته الشمسية علي أحد التباب قبل نشوب المعركة مباشرة فقد خلع نظارته الشمسية ووضعها علي الأرض وأخذ يبحث عن العدو بنظارة الميدان وفي النهاية نسي نظارته الشمسية لقد كانت هذه النظارة عزيزة عليه لأنها هدية من والده عند نجاحه في الإعدادية ولكن المشكلة أن النظارة قد تركت في منطقة خطرة في المنطقة الحرام بيننا وبين العدو لقد كانت خارج أرضنا بمسافة ثلاثة كيلوا مترات ... ومع ذلك فقد أصر عصمت علي إحضار نضارته ليس فقط لأنها عزيزة عليه بل إنه يشعر بدافع غريب للتحرك في اتجاهها والحصول عليها . لقد استغرب الزملاء عندما رأوه يجهز نفسه ببندقية آلية وقاذف صاروخي وأتهمه البعض بأنه يستعرض شجاعته... وأخذ عصمت ينادي علي رفيق له في هذه الرحلة الغير مأمونة فاستجاب له رقيب من الصاعقة يدعي محمد يماثله في الجسارة والجرأة. وبدأت رحلة السير في اتجاه تلك التبة ولكن بحذر شديد حتى لا يقعوا في أحد كمائن العدو ... وبعد مسيرة حوالي 52 دقيقة بدأت أثار معركة الدبابات تظهر فهناك عربات ودبابات ومعدات مدمرة تماماً بل إن بعضها لا يزال ينبعث منها أدخنة وباقترابهم أكثر بدأوا في تمييز الجثث واستمر عصمت في التحرك في اتجاه تلك التبة المنشودة ولكن بمزيد من الحذر وسرعان ما اعتلي التبة صاعداً مستخدماً أذرعه وأرجله وفور وصوله أعلي التبة وجد النظارة سليمة وعليها أتربة كثيفة فأحس بالسعادة الغامرة لحصوله عليها مرة أخري ولا شعوريا تنازل عن حذره ووقف شامخاً ناظراً في اتجاه العدو وأخذ عصمت ينظر يميناً ويساراً يفحص بدقة ميدان المعركة الذي كان يقاتل فيه منذ بضع ساعات لقد كان هناك حافز غريب يدفعه للاستطلاع والاكتشاف فأخذ يفحص الدبابات والعربات والأسلحة المدمرة ويحاول معرفة أسباب تدميرها نتيجة سوء استخدامها للأرض ثم أخذ يفحص الجثث المصابة ... وقد استغرق وقتاً ليس بقليل لفحص ما يريده وانتبه لنفسه أخيراً بعد أن صاح فيه الرقيب محمد قائلا أعتقد يا أفندم أنه حان الوقت للرجوع... خاصة وأن الشمس في طريقها للغروب ... فأجابة عصمت... صح فلنرجع... ولكن علينا أن نغير الطريق فأنا أفضل دائما أن أري الجديد وجذب عصمت من جيبه بوصلته ورصد الزاوية التي سيسيرون عليها فقد كانت الشمس في أوان غروبها وهناك احتمال أن المسافة الأخيرة في السير سوف تكون في الظلام وهذا سيتوقف علي مدي لياقتهم البدنية في السير ... ثم سأل عصمت الرقيب محمد عن كلمة السر اليوم وكذا كلمة المرور فأجابه محمد بها وليس هذا السؤال لأن عصمت لا يعلمها بل لأنه يريد أن يتأكد منها لأن حياته وحياة زميله تعتمد علي هاتين الكلمتين اللتين بهما سيدخلون المواقع المصرية ليلاً. استمر في السير بحماس علي طريق العودة الجديد... وفجأة أثناء سيرهما بجانب دبابة إسرائيلية مدمرة انبعث صوت صائح النجدة... النجدة.... فأرسل عصمت إشارة صامته بيده فربما كان مصر الصوت عدواً في كمين .. ولكن الصوت تكرر ثانياً ... ولكن في خفوت وأنين من الألم .. ولكن لم يستطع تمييز الشخص الموجود أسفل الدبابة فأمر الرقيب محمد بالثبات في مكانه وأخذ ساتر لحمايته عند اقترابه من الدبابة وأخذ عصمت يزحف في اتجاه مصدر الصوت حتى اقترب منه علي بضع أمتار في هذا الوقت أمكن تميزه لرجل ممدود بين عجل بوجي الدبابة فوجه عصمت بندقيته في اتجاه ذلك الرجل وصاح بحذر من أسفل الدبابة أمصري أم إسرائيلي فأجابه ... مصري والله والعظيم مصري ... فسأله بحذر ليتأكد أنه مصري المباراة التي كانت بين الأهلي والزمالك الشهر الماضي ما هي نتيجتها فأجابه لم يكن في الشهر الماضي أي مباراة بين الأهلي والزمالك.. هنا تأكد عصمت من أن الجندي مصري... ثم طلب منه عصمت أن يخرج من أسفل الدبابة فرد عليه بأنه مصاب منذ ثلاثة أيام يف رجله وأن رجله تعوقه عن الحركة وأنه زحف عندما أصيب إلي أسفل الدبابة حتى يستظل بظلها ثم أصيب بإغماء وعند إفاقته وجد وحدته قد غادرت المنطقة بعد قتالها وترك لمدة ثلاثة أيام بلا مأوي أو تعيين سوي قليل من المياه في زمزميته ... فزحف عصمت أسفل الدبابة بعد أن نادى على الرقيب محمد لمعاونته وأخذ يجذب هذا الجندي المصاب من أسفل الدبابة حتى أخرجوه حيث كان في حالة من الإرهاق والتعب لا حد لها وكانت الرغاوي تتساقط من جانبي فمه مغلقاً كلتا عينيه لأنه لم يستطيع تحمل ضوء الشمس عند تعرضه له لقد كان في حالة يرثي لها أو في الواقع علي شفا الموت ( 1 ) وأخذا يحاولان إيقافه ولكن رجله المصابة كانت متسيبة ولا تعمل ( حيث كانت مصابة بثلاث طلقات ) وفي النهاية جعلاه يقف بينهما واضعا ذراعا علي عصمت والأخرى علي الرقيب محمد واخذ يجذباه في هذا الوضع لمسافة أكثر من ثلاث كيلوا مترات في حوالي أربع ساعات إلى المواقع المصرية... وبمرور السنين عندما يتذكر عصمت هذه الواقعة فأنه يعجب لشدة تهوره واندفاعه لإحضار شيء لا يستحق كل هذا العناء وهي تلك النظارة اللعينة والتي فقدها مرة أخرى بعد هذه الحادثة بأشهر ولكنه فهم حكمة الله في ذلك .

 

.. الفصل السادس

 

جميع محطات فهد... تقدم الآن..السائق هل سمعتني.. نعم يا أفندم.... تقدم الآن... وبهذا تحركت دبابات عصمت ليجلس بأعلى فتحة القائد المهمة الجديدة ثم تحرك عصمت ليجلس بأعلى فتحة القائد بالدبابة ليراقب تحرك الدبابات وقد غمره شعور مزدوج من الفخر والثقة مع الشعور بعدم الاطمئنان واحتمال مقابلة ظروف غير سارة وكان هذا الشعور المتباين له مبعثان فالشعور الأول كان مبعثه أنه أختير لقيادة مجموعة قتالية أكبر من مستواه بل إن هذا الاختيار تعدي ضابطين أكبر منه رتبة أما الشعور الأخر فمبعثه أنه يتحرك الآن ضمن 3 مجموعات قتالية يرأس أحدهما لغلق ثغرة إن العدو قد نجح في إنشائها عل